أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن استلام 30 جثمانًا لشهداء تم الإفراج عنهم من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي عبر منظمة الصليب الأحمر الدولي، في مشهد يعيد إلى الذاكرة ملفًا إنسانيًا مؤلمًا يتعلق باحتجاز الاحتلال لجثامين الشهداء الفلسطينيين. وبهذا الارتقاء الجديد، يرتفع العدد الإجمالي للجثامين التي تسلمتها الوزارة إلى 225 جثمانًا منذ بدء تسليمها تباعًا خلال الأشهر الأخيرة، في إطار تفاهمات إنسانية محدودة تتوسط فيها منظمات دولية.
وتؤكد مصادر طبية أن عملية التسليم تمت عبر معبر كرم أبو سالم، حيث استقبلت سيارات الإسعاف الجثامين وسط أجواء مهيبة ومشاعر ممزوجة بالحزن والفخر لدى الطواقم الطبية والأهالي الذين ما زالوا ينتظرون جثامين ذويهم منذ شهور طويلة.
إجراءات طبية دقيقة لتوثيق هوية الشهداء
وزارة الصحة شددت على أن طواقمها الطبية تواصل العمل وفق الإجراءات المعتمدة، وتشمل عمليات الفحص الطبي والتشريح الظاهري وأخذ العينات الوراثية (DNA) للتأكد من الهوية الدقيقة لكل شهيد قبل تسليمه إلى ذويه. وتهدف هذه الإجراءات إلى ضمان التوثيق الكامل لكل جثمان، سواء من حيث بيانات الهوية أو ظروف الاستشهاد، بما يسهم في حفظ الحق القانوني والإنساني لهؤلاء الشهداء أمام الجهات الحقوقية الدولية.
كما أوضحت الوزارة أن بعض الجثامين وصلت في حالة تحلل جزئي أو بتشوهات واضحة، ما يستدعي جهودًا مضاعفة من الفرق المتخصصة لتحديد هوياتهم بدقة، في ظل ما تصفه المؤسسات الحقوقية الفلسطينية بـ"الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق الشهداء بعد استشهادهم".
جريمة احتجاز الجثامين.. عقوبة تمتد بعد الموت
يأتي الإفراج عن هذه الدفعة الجديدة من الجثامين ضمن ملفٍ شائك لطالما شكّل أحد أبرز عناوين الانتهاكات الصهيونية بحق الفلسطينيين، إذ يواصل الاحتلال احتجاز المئات من جثامين الشهداء في ما يعرف بـ"مقابر الأرقام" أو في ثلاجات الموتى منذ سنوات طويلة. ويرى مختصون أن هذه الممارسة تمثل عقوبة جماعية ومخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني، الذي يضمن حق الإنسان في الدفن الكريم والتسليم لعائلته.
ويؤكد مراقبون أن الاحتلال يستخدم هذا الملف كأداة ضغط سياسية وإنسانية، في محاولة لابتزاز الفصائل الفلسطينية والضغط على المجتمع الغزي، بينما يصرّ الفلسطينيون على المطالبة بإطلاق سراح كل الجثامين وفتح تحقيقات دولية في هذه الممارسات.
نداء إنساني لا يتوقف
من جانبها، جدّدت وزارة الصحة في غزة دعوتها للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى التحرك العاجل لإنهاء معاناة العائلات التي تنتظر جثامين أبنائها، مطالبةً بتشكيل لجنة دولية مختصة لتوثيق هذه الجرائم ومتابعة تنفيذ القوانين الدولية التي تحظر احتجاز الجثامين.
وفي الوقت الذي يستقبل فيه القطاع هذه الدفعة الجديدة من الشهداء، تظل مئات العائلات الأخرى تعيش وجع الانتظار، على أمل أن يعود أحباؤهم يومًا إلى تراب الوطن، ولو في نعوشٍ مغطاة بالكوفية.
هكذا، يبقى ملف الجثامين شاهدًا مؤلمًا على استمرار الاحتلال في تجاوز كل الحدود الإنسانية، بينما تواصل غزة احتضان شهدائها واحدًا تلو الآخر، لتؤكد أن الذاكرة لا تموت، وإن تأخّر الجثمان في العودة.










