استنكر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بأشد العبارات، ما نشرته القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) حول مزاعم “قيام عناصر من حركة حماس بنهب شاحنة مساعدات إنسانية في شمال خان يونس”، مؤكداً أن “الادعاء باطل ومفبرك من أساسه، ويأتي ضمن حملة تضليل إعلامي تهدف لتشويه صورة الأجهزة الشرطية الفلسطينية العاملة في القطاع”.
البيان، الذي صدر اليوم السبت، وضع النقاط على الحروف في مواجهة الرواية الأمريكية التي سعت لتصوير الشرطة الفلسطينية على أنها طرف يعطل المساعدات، بينما هي – بحسب المكتب – من تحملت العبء الأكبر في تأمين قوافل الإغاثة وحماية فرق المساعدات في ظل القصف والانهيار الإنساني المستمر منذ أكثر من عامين.
حملة تضليل إعلامي ممنهجة
وأكد المكتب أن “الادعاءات الأمريكية تأتي في إطار حملة تضليل إعلامي منظمة”، موضحاً أن هذه المزاعم “لا تستند إلى أي أدلة ميدانية أو تسجيلات موثقة، بل تعتمد على اتهامات فضفاضة تهدف إلى تشويه سمعة الأجهزة الشرطية التي تقوم بواجبها الوطني والإنساني”.
وأشار إلى أن “الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة تولت، لفترة محددة، مرافقة وتأمين قوافل المساعدات الإنسانية القادمة عبر معبر رفح، وعملت على إيصالها إلى المخازن التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية والمؤسسات المحلية لتوزيعها على الأسر المحتاجة”.
وأضاف البيان أن “هذه الأجهزة قدّمت أكثر من ألف شهيد ومئات الجرحى أثناء أداء مهامها في تأمين المساعدات وإخلاء المصابين، وهو ما يفنّد أي مزاعم تتحدث عن ضلوعها في أعمال نهب أو سرقة”.
شهادات دولية تعزز الرواية الفلسطينية
وشدد المكتب الإعلامي على أن “المؤسسات الدولية العاملة في غزة أقرت مرارًا بدور الأجهزة الشرطية في منع السرقات وتأمين المساعدات الإنسانية”، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي هي التي “استهدفت عناصر الشرطة وعناصر الحماية المتطوعين، في محاولة لخلق الفوضى وإضعاف السيطرة الميدانية، ما يسهل عمليات النهب والسرقة من قبل مجموعات خارجة عن القانون”.
وأوضح البيان أن الشرطة الفلسطينية “تعمل في ظروف استثنائية وصعبة، حيث تُقصف مواقعها يوميًا، وتُستهدف كوادرها أثناء أدائهم مهام إنسانية بحتة”، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات الإسرائيلية تهدف إلى “تفريغ الساحة من أي جهة قادرة على ضبط الأمن الداخلي”.
تناقضات في الرواية الأمريكية
وصف المكتب الإعلامي الحكومي البيان الأمريكي بالتناقض الصارخ، حيث تحدثت القيادة المركزية عن “عناصر مشتبه بهم”، لكنها قدّمت تلك المزاعم كحقائق دون أي توثيق بصري أو تحديد للمكان والزمان أو حتى هوية الجهة المسؤولة عن النهب المزعوم.
وقال المكتب:
“الفيديو المزعوم الذي استندت إليه القيادة المركزية لا يتضمن أي مشهد يُظهر سرقة أو نهباً من قبل الأجهزة الأمنية، ما يجعل هذه الرواية مفبركة بالكامل، ولا تستند إلى أي أساس مهني أو أخلاقي”.
كما نفى نفياً قاطعاً الادعاءات الأميركية بشأن “سرقة إسعاف أو شاحنة مساعدات”، مؤكدًا أن “القوافل تُدار وفق نظام إلكتروني ورقابي تشرف عليه جهات دولية ومحلية، ويُسجّل فيه كل تحرك بعلم المؤسسات المعنية”.
مغالطات أمريكية حول عدد المنظمات الدولية
ولفت البيان إلى أن “القيادة المركزية الأمريكية زعمت أن أكثر من 40 دولة ومنظمة دولية تعمل في غزة”، بينما “العدد الفعلي لا يتجاوز 22 منظمة فقط، تعاني معظمها من تضييقات إسرائيلية ومنع متكرر من إدخال المساعدات أو التحرك داخل القطاع”.
وأوضح المكتب أن الاحتلال الإسرائيلي “هو من يتحكم في إدخال القوافل الإغاثية ويمنع أكثر من 60% منها من الوصول إلى شمال القطاع، كما يعمد إلى احتجاز الشحنات لأيام طويلة في المعابر، ما يؤدي إلى تلف المواد الغذائية والطبية قبل توزيعها”.
هندسة التجويع وإعاقة الإغاثة
وأكد المكتب الإعلامي أن “المنظومة الشرطية في غزة تبذل أقصى جهودها لضبط الأمور الميدانية رغم استمرار العبث الإسرائيلي”، موضحًا أن الاحتلال “يتعمد هندسة التجويع وخلق أزمة إنسانية متفاقمة عبر عرقلة دخول المساعدات ومنع الوقود والمياه الصالحة للشرب”.
وأضاف البيان أن “الاحتلال يحمي العصابات الخارجة عن القانون في بعض مناطق القطاع، ويسمح لها بالتمركز في المناطق التي يسيطر عليها عسكريًا، بهدف تشويه صورة المقاومة الفلسطينية والمؤسسات المدنية العاملة في غزة”.
صمت أمريكي عن جرائم الاحتلال
وتساءل المكتب عن صمت القيادة المركزية الأمريكية تجاه الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، مشيرًا إلى استشهاد 250 فلسطينيًا (91% منهم مدنيون)، وإصابة 579 آخرين، واعتقال 29 مدنيًا، إلى جانب منع إدخال الوقود والمساعدات الطبية، وعرقلة إجلاء الجرحى للعلاج في الخارج.
وأضاف أن “الولايات المتحدة، بدلاً من إدانة هذه الجرائم، تنشغل بنشر روايات مشبوهة ضد الأجهزة الفلسطينية، في محاولة لتبرئة الاحتلال من مسؤوليته القانونية والإنسانية”.
وختم المكتب بيانه بالتأكيد على أن “صمت واشنطن عن هذه الجرائم وفبركة الروايات ضد الشرطة الفلسطينية يكشف انحيازها الكامل للاحتلال الإسرائيلي وفقدانها للمصداقية كجهة يفترض بها الحياد والمراقبة”.
عامان من الإبادة بدعم أمريكي
وأشار البيان إلى أن الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أميركي مباشر، ارتكب إبادة جماعية في قطاع غزة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أسفرت عن استشهاد وإصابة نحو 239 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن أكثر من 70% من البنية التحتية المدنية في القطاع دُمّرت بالكامل، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والملاجئ، في وقت تواصل فيه واشنطن دعمها العسكري والسياسي للاحتلال رغم الإدانات الأممية المتكررة.
واشنطن تبرئ الاحتلال وتستهدف الضحايا
يرى محللون أن البيان الأمريكي الأخير يعكس محاولة لصرف الأنظار عن فشل الولايات المتحدة في وقف العدوان الإسرائيلي، من خلال صناعة روايات ضد المؤسسات الفلسطينية العاملة في الميدان.
ويشير الخبراء إلى أن “اتهام حماس أو الأجهزة الشرطية بالنهب” يهدف إلى ضرب ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات المحلية، وإضعاف أي بنية إدارية قادرة على الحفاظ على الأمن في القطاع بعد الحرب.
كما يلفت المراقبون إلى أن الخطاب الأمريكي بات يتماهى مع الدعاية الإسرائيلية التي تصور غزة كمنطقة فوضى تحتاج إلى “إدارة دولية”، وهو ما يثير مخاوف الفلسطينيين من إعادة إنتاج شكل جديد من الوصاية أو الاحتلال بغطاء إنساني.







