11 يونيو 2026|القاهرة 28 °

رامي أبو زبيدة يكتب: التحول في العقيدة العسكرية الإسرائيلية

شكّل السابع من أكتوبر 2023 لحظة انهيار في أحد أعمدة التفكير العسكري الإسرائيلي، حيث تهاوت نظرية الردع الكلاسيكية

بقلم: د. رامي أبو زبيدة
١ نوفمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
4 مشاهدة
المجلس المصغر

المجلس المصغر

شكّل السابع من أكتوبر 2023 لحظة انهيار في أحد أعمدة التفكير العسكري الإسرائيلي، حيث تهاوت نظرية الردع الكلاسيكية التي بُنيت عليها عقيدة الأمن القومي لعقود. لم يعد الردع القائم على الخوف من الرد الإسرائيلي كافيًا، ولم تعد القوة النارية وحدها ضامنة للأمن. 

أمام هذا التحول، برز مفهوم جديد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يُمكن تسميته بـ “الردع الوقائي المتحرك”، وهو انتقال استراتيجي من ردعٍ سلبي يعتمد على التهديد بالعقوبة، إلى ردعٍ فاعل يقوم على الفعل الاستباقي والمناورة الدائمة في الميدان.

 

أولاً: الردع السلبي – المفهوم القديم

على مدار عقود، ارتكزت العقيدة الإسرائيلية على ما يُعرف بـ الردع السلبي والذي يقوم على:

توجيه ضربات موجعة بعد كل هجوم أو تهديد، لتثبيت معادلة “القوة مقابل الرد”.

إبقاء خطوط حمراء واضحة يُفترض أن العدو لا يتجاوزها خوفًا من العقاب.

الاعتماد على القدرات الجوية والاستخباراتية لاحتواء التهديدات دون الانخراط البري الطويل.

لكن التجربة أثبتت أن هذا الردع لم ينجح في منع التصعيد، بل أسّس لحلقات متكررة من الصراع دون حسم نهائي، وهو ما ظهر في جولات غزة السابقة بين 2008 و2021.

ثانياً: فشل الردع الكلاسيكي بعد 7 أكتوبر

أظهر هجوم المقاومة في أكتوبر 2023 أن الردع الإسرائيلي فقد تأثيره النفسي والعملي.
لم تعد التنظيمات الفلسطينية ترى في التهديدات الإسرائيلية عامل ردع، بل باتت تدرك أن الردود الإسرائيلية المتوقعة يمكن امتصاصها وتحويلها إلى مكاسب ميدانية ومعنوية.
انهارت فرضية “الهدوء مقابل الهدوء”، وتحولت الحدود إلى ميدان مفتوح للمفاجأة والاشتباك، ما أجبر المؤسسة العسكرية على إعادة تعريف الردع ذاته.

ثالثاً: الردع الوقائي المتحرك – المفهوم الجديد

بعد الحرب، اتجه التفكير الإسرائيلي نحو صيغة أكثر ديناميكية للردع تُعرف بـ الردع الوقائي المتحرك ، وتقوم على ثلاثة مرتكزات:

1. الردع عبر الفعل لا الانتظار

الانتقال من سياسة الرد إلى سياسة المبادرة؛ أي استباق الخصم بالضربات الاستخبارية والعملياتية حتى قبل تحركه، بهدف إبقاءه في موقع الدفاع الدائم.

2. الردع المتحرك جغرافيًا

لم يعد الردع مقتصرًا على جبهة واحدة. إسرائيل باتت تنقل النار بين غزة، الشمال، سوريا، والبحر الأحمر وايران بصورة متزامنة، لتخلق بيئة ضغط متواصلة تجعل خصومها في حالة استنزاف مستمرة.

3. الردع الوقائي طويل المدى

هو ردع مبني على تدمير مقومات النمو العسكري للخصم: سلاسل الإمداد، شبكات التمويل، البنية التحتية التنظيمية، ومصادر التسليح، حتى في فترات الهدوء، بما يشبه حرب ظل استخبارية دائمة.

رابعاً: انعكاسات هذا التحول

التحول نحو الردع الوقائي المتحرك أعاد رسم العلاقة بين الردع والحسم داخل العقيدة الإسرائيلية:

لم يعد الهدف تدمير العدو بالكامل، بل منعه من إعادة بناء قدراته أو فرض معادلات ميدانية جديدة.

ازدادت العمليات الاستخبارية العابرة للحدود، وعمليات الاغتيال الدقيقة، واستخدام الطائرات المسيّرة خارج نطاق المواجهات المعلنة.

تحوّل الجيش إلى منظومة أمن متحركة أكثر من كونه جيشًا متمركزًا، تعتمد على الانتشار والتبديل السريع في الجبهات.

لكن هذا التحول ليس بلا مخاطر، إذ يهدد بإبقاء إسرائيل في حالة حرب مفتوحة دائمة، ويستنزف طاقتها البشرية والاقتصادية على المدى الطويل.

خامساً: التحديات والقيود

 

رغم أن الردع الوقائي يمنح إسرائيل قدرة تكتيكية على المبادرة، إلا أن له حدودًا استراتيجية واضحة:

1. الشرعية الدولية: الضربات الوقائية خارج أوقات الحرب تُعرض إسرائيل لضغوط سياسية وقانونية متزايدة.

2. التكلفة البشرية والاقتصادية: بقاء الجيش في حالة تعبئة دائمة يرهق البنية الداخلية.

3. عدم اليقين الاستخباري: نجاح الردع الوقائي يعتمد على دقة المعلومات، وأي خلل فيها يقود إلى تصعيد غير محسوب.

4. تعقّد الجبهات: كل ضربة وقائية في جبهة قد تشعل مواجهة في أخرى، مما يفتح المجال لحرب متعددة الجبهات يصعب إدارتها.

سادساً: القراءة الاستراتيجية للمستقبل

من الواضح أن إسرائيل انتقلت من مرحلة “الردع عبر التهديد” إلى مرحلة “الردع عبر الفعل المستمر”.
غير أن هذه العقيدة الجديدة تُعبّر عن أزمة عميقة أكثر مما تعبّر عن قوة؛ فهي محاولة لإخفاء عجز الردع الكلاسيكي بالعمل الوقائي المتواصل.
وإذا لم ترافقها حلول سياسية وأمنية حقيقية، فإنها قد تتحول إلى عقيدة استنزاف ذاتي تُضعف إسرائيل على المدى البعيد بدل أن تعزز أمنها.

يمثل “الردع الوقائي المتحرك” تطورًا خطيرًا في التفكير العسكري الإسرائيلي، إذ يربط بين الاستباق المستمر وإدارة التهديد المتعدد في بيئة أمنية مضطربة.
لكن خلف هذه المرونة الظاهرة تكمن مخاوف وجودية حقيقية، تُظهر أن إسرائيل لم تعد تثق بقدرتها على منع الخطر إلا عبر البقاء في حالة استعداد دائم.
إنه ردع يتحرك لأنه قلِق، ويستبق لأنه يشعر بالتهديد الدائم.

د. رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة هو باحث ومحلل فلسطيني مختص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويُعد من الوجوه البارزة في تحليل الصراعات الميدانية والتكتيكات العسكرية في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

رامي أبو زبيدة يكتب: التحول في العقيدة العسكرية الإسرائيلية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°