21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: المدن التي تبتسم للموت.. كوسوفو والعراق في مرآة غزة

تتسابق القوى الكبرى على حلبةٍ من نارٍ ودماء، لا لتوقف الحرب، بل لتُعيد رسمها بألوانٍ أكثر بريقًا أمام العالم، كأنها لا تسمع صراخ الضحايا في غزة

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٢ نوفمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
12 مشاهدة
تدمير غزة

تدمير غزة

"حين تصمت العدالة، تتحدث المدافع بلغةٍ لا تُترجم". قوة الكلمات تلك أفحمت الألسن عن التعبير ليعبر عنها بإيجاز "نيلسون مانديلا"، ففي هذه الغابة الموحشة التي تُسمّى العالم، تتسابق القوى الكبرى على حلبةٍ من نارٍ ودماء، لا لتوقف الحرب، بل لتُعيد رسمها بألوانٍ أكثر بريقًا أمام العالم، فأميركا هناك، ترقص بخفةٍ كأنها لا تسمع صراخ الضحايا في غزة، وأوروبا تضحك بخجلٍ مُصطنعٍ، وهي تمسح دمًا على خدّها الأيسر وتضع وردةً على الأيمن، أما دولة الاحتلال فتقف في المنتصف، مُمسكةً بالمُوسيقى أو ريشة اللا-لحن، تعزف الخراب بإتقانٍ باردٍ لا يعرف التوبة، ليصدق "نيتشيه": "حين تتحدث القوة باسم العدالة، فاعلم أن العالم في أزمة أخلاقية".

كلٌّ منهم يدّعي أنه جاء لإنقاذ غزة، لكن الحقيقة أنهم يهربون من خيالهم المصاحب لخطواتهم، بدلاً من الركض لإنقاذ بريء واحد، فهم يتسابقوا مع حبور الموت في غابةٍ موحشةٍ، لطخت كل الألوان الحقيقية. الأبيض صار رمادي، والرمادي تحول لأسواد، والأسود يلبسون عليه قناع "الحل الإنساني".. لتُكتب في الغابة، الخطط ببرود شديد: "إدارة مدنية دولية لغزة"، "حزام إنساني"، "غزّتان"؛ كلها اقتراحات تُبين كأنها طريق للجنة، لكن حقيقتها، تذاكر سفر لوصاية جديدة، في ثوب الأمم المتحدة وأناقة القانون الدولي (الميت)، متناسين ما حدث في كوسوفو حين أداروها بالسلام فأنجبوا دولةً مشلولة، وتيمور الشرقية حين ألبسوها الحرية فاستفاقت على التبعية، والعراق حين أُعيد بناؤه فانهار من جديد تحت أنقاض "إعادة الإعمار".

تخيل أخي، وأنت تقرأ هذه الخطط أن هناك اجتماعًا دوليًا يُعقد في قاعة مُضيئة، تجلس (أوروبا وأميركا وإسرائيل) على كراسي المثلث مريحة، بينما غزة تجلس على الأرض، مُحاطة بشروط صارمة وقرارات دولية تُحاصرها كأنها طوق ذهبي يخنقها ولا يسمح لها بالتنفس، هُم يتشدقون بالسيادة متناسين أنهم أول من أطفأوها. بتكرار كلمات "إعادة البناء" و"المساعدات الإنسانية" كما يكرر الحباري أخطاؤه اللعوبة المتعددة في مسرحية الحباري القديمة وكأنها عادة اعتاد عليها دون أن يفهم محتواها ليُكررها في كل مؤتمر، تحت شعارات "السلام العادل" على أنقاض مدينة لم يبق فيها حجر على حجر.

ثم يأتي المشهد الأكثر عبثية: لحظة فيها يطلبون من غزة أن تسلّم سلاحها، وكأن الاحتلال يجب أن يتخلى عن تاريخه أولاً. وكأن البحر سيهدأ فجأة أو الطائرات ستتوقف عن التحليق فوق المنازل. فكيف وهو لم يتوقف في أماكن أخرى؛ كتيمور الشرقية وكوسوفو التي صارت البنادق في يد الغرباء، وفي العراق استيقظت الميليشيات بعدما حُلّ الجيش بقرار أمريكي من ورقة لا تعرف حتى أين تقع البلاد.. لتتكرر الكرة في غزة، لكنها مختلفة فالفصائل هناك ترى السلاح ليس كنوع من الرفاهية السياسية، بل كجزء لا يتجزأ من وجودها. هو غريزة بقاء، دفاع عن النفس في وجه موت مُستمر، مدعوم ومبرر من جهات كثيرة. السلاح ليس خيارًا، بل شريان الحياة الذي يعبر عن إرادة صامدة في وجه موتٍ مؤسّسٍ وممَوّلٍ ومُبررٍ دوليًا.

إن محاولة نزع السلاح قبل تأسيس الدولة يشبه إزالة القلب قبل زراعة عضو جديد. فالغرب يحاول تكرار تجربة العراق، لكن بشكل أصغر داخل القطاع، حيث يصبح الأمن مجرد بند في اتفاق، والسيادة تُدار من مبنى تابع للأمم المتحدة، لكن هذه المرة، هناك ضوء ينبعث من غزة مختلف عن كل ضوء آخر. يشعر به القلب والعقل. يقتل الظلام ويكشف كل الأسرار التي ظنّوا أنها مخفية، مثل طيور الحباري التي تخاف النور لأنها تعيش في ظلال الليل مع فرائسها دون نور، تتساقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر فيه: فأوروبا التي تغسل يديها من الدم بماء المؤتمرات، وأميركا التي تبتسم في مجلس الأمن وهي تخفي الفيتو في جيبها الخلفي، ودولة الاحتلال التي تحتمي بالعتمة كي لا ترى جثث جنودها الذين انتحروا بعد أن اكتشفوا أن "العدو" الحقيقي يسكن في داخلهم.. ولعل التقارير الإسرائيلية نفسها كشفت أن 279 جنديًا حاولوا الانتحار خلال سنة ونصف فقط، بزيادة وصلت إلى 56%. والأكثر صدمة أن 78% من المنتحرين كانوا مقاتلين. هذه ليست مجرد حرب على غزة، بل معركة داخلية في عقل الجندي الذي تعود أن يضغط الزناد قبل أن يعرف كيف ينظر إلى نفسه في المرآة.

أوروبياً: نزل الملايين إلى الشوارع. بأكثر من 50 ألف تجمع مؤيد لفلسطين في حوالي 800 مدينة داخل 25 دولة أوربية. ناقمين على ازدواجية الحكومات، التي تتحدث عن الضمير ثم تبيعه في صفقات السلاح. خرجوا لأنهم شاهدوا في غزة شيئًا مختلفًا عن الأخبار المعتادة: طفل صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره، ففي الوقت الذي اعترفت فيه أكثر من 10  دولٍ جديدةٍ بفلسطين خلال عامين، ما زالت دول كبرى كألمانيا وإيطاليا وهولندا تتعلل بـ "عقدة الذنب التاريخية" لتبرير دعمها للاحتلال، وكأنها تريد التكفير عن خطايا الأمس بارتكاب خطايا اليوم.

أما "ماما أمريكا"، فهي تسيطر على المشهد بلا منازع. تكتب القصة، وتوزع الجوائز، ثم تقف تصفق لنفسها بفخر. في كل مرة تستخدم فيها حق "الفيتو" لحماية إسرائيل، لأكثر من 80 مرة من أصل 114 منذ تأسيس الأمم المتحدة وكأنها تقول للعالم: "هذا ليس ازدواجية، بل سياسة".

لكن الأمور بدأت تتغير. الوعي لم يعد شيء تتحكم فيه الأخبار فقط. هناك جيل جديد في الغرب، جيل يعرف أن الكاميرا لا تكذب عندما تكون في يد من يعاني، بدأ يرى الحقيقة بوضوح. وعندما ترى الحقيقة، لا يمكنك أن تبقى مجرد متفرج.. فغزة هذه المدينة التي أرادوا تحويلها إلى مختبرٍ لتجارب "الإدارة الدولية"، خرجت من بين الأنقاض، تمشي على قدمين وتقول: "أنا هنا، من يريد التفاوض فليتحدث معي لا عني".

وأخيراً: من يحمل النور لا يخشى الغابة، أما من يعيش في الظل فلا يعرف سوى الهروب دوماً كالحُبارى. هذا النور لا ينطفئ بسبب الحصار، لأنهم يركضون نحو فرحة الموت، وهو يحدق في وجهه ولا يرى سوى التعب والشحوب، يحتفلون بما يعتقدون أنه انتصار مؤقت، بينما غزة تنهض مرة أخرى، أكثر وعياً، وأقوى إيماناً، تعيد صياغة معنى النصر كقيمة إنسانية، لا مجرد انتصار عسكري.. فغزة، من جهتها، تقف بلا ستار، صافية وواضحة، كأنها ولدت من جديد وسط اللهب.. وكأنها تقولها كما قالها المثل العربي القديم: "من تعلّم أن يرى في الضوء خطرًا، سيبقى عبدًا للظلام".

والمرآة لا تُجامل أحدًا. تراها تحدّق في انعكاسها فتخافه؛ والعالم لم يعد يصفّق لمن يُتقن البكاء، بل لمن يملك ضميرًا لا يحتاج إلى ترجمة من ذاكرة الشعوب التي لا تُقهر: "الكذب قد يقطع الطريق، لكنه لا يصنع وطنًا".

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال