قبل 108 أعوام، وتحديدًا في الثاني من نوفمبر عام 1917، صدر "وعد بلفور" المشؤوم الذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين، في تجاهل تام لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والسياسية في أرضه. هذا الإعلان الذي جاء في رسالة موجزة من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، كان شرارة البداية لمأساة ممتدة حتى يومنا هذا.
لم يكن وعد بلفور مجرد وثيقة سياسية، بل مثّل مشروعًا استعماريًا متكامل الأركان، سهّل قيام "دولة الاحتلال الإسرائيلي" على حساب الشعب الفلسطيني، الذي وجد نفسه منذ ذلك الحين أمام سلسلة من الكوارث الوطنية، بدءًا من النكبة عام 1948 وصولًا إلى الاحتلال الكامل للأراضي الفلسطينية عام 1967، وما تلاه من سياسات استيطان وتهويد ممنهجة.
من الوعد إلى النكبة... مأساة متواصلة
وعد بلفور كان الأساس القانوني والسياسي لشرعنة اغتصاب فلسطين، إذ فتح الباب أمام الهجرة اليهودية المنظمة تحت حماية الانتداب البريطاني. وبمرور العقود، تحوّل هذا الوعد إلى نكبة واقعية أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، وتدمير ملامح وطنهم التاريخي.
ولا تزال آثار هذا الوعد قائمة حتى اليوم، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته العدوانية ضد الفلسطينيين، من قتل واعتقال وهدم للمنازل، فضلًا عن توسيع رقعة المستوطنات وفرض وقائع جديدة على الأرض تهدف إلى القضاء على ما تبقى من الحلم الفلسطيني بالحرية والاستقلال.
الاحتلال يتمادى والمأساة مستمرة
بعد مرور أكثر من قرن على صدور وعد بلفور، لم يتراجع الاحتلال الإسرائيلي عن نهجه القائم على القتل والتدمير وسلب الأراضي، بل ازداد تغولًا في تنفيذ مخططاته الاستيطانية والتهويدية، مدعومًا بسياسات دولية متخاذلة وصمت عالمي.
في القدس والضفة وغزة، تتجلى ملامح الجريمة المستمرة التي بدأت منذ 1917، حيث يُقتلع الفلسطيني من أرضه، وتُسلب مقدساته، ويُحاصر في وطنه، بينما يستمر العالم في ترديد شعارات العدالة دون أن يترجمها إلى أفعال.
108 أعوام من الجرح المفتوح
الذكرى الـ108 لوعد بلفور ليست مجرد محطة تاريخية، بل تذكير للعالم بالظلم التاريخي الذي لا يزال يعيشه الفلسطينيون. إنها شهادة على خيانة القوى الكبرى لوعود الحرية والعدالة، ودليل على أن جريمة القرن لم تتوقف عند حدود الماضي، بل تمتد فصولها في الحاضر.
وما لم يتغير ميزان العدالة الدولي، سيبقى وعد بلفور عنوانًا للظلم المستمر، ورمزًا لجريمة استعمارية لم تُمحَ آثارها من الذاكرة الفلسطينية، التي ما زالت تنزف وتقاوم حتى اليوم من أجل الحرية والعودة.








