في ظل تصاعد الحرب الرقمية على الرواية الفلسطينية، يتجدد الجدل حول دور منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "يوتيوب"، في تقييد أو حذف المحتوى الذي يوثق الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وقد أكد الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، في حديث خاص لموقع 180 تحقيقات، أن حذف المحتوى المتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي "موضوع حساس ويحظى بردود فعل واسعة"، مشيرًا إلى أن ردود الفعل من منظمات حقوق الإنسان والإعلاميين المستقلين جاءت قوية ومنددة لما اعتبروه رقابة ممنهجة وتمييزًا واضحًا ضد المحتوى الفلسطيني.
انتقادات حادة لمنصات التواصل.. تحيز ورقابة رقمية
تواجه شركة "يوتيوب" ومنصات رقمية أخرى اتهامات متكررة بالتحيز ضد المحتوى الفلسطيني، إذ تقول منظمات حقوقية مثل "حملة" و*"الشبكة للسياسات الفلسطينية"* إن هذه المنصات "تمارس رقابة موجهة وممنهجة"، تستهدف الرواية الفلسطينية وتمنح الأفضلية للمحتوى المؤيد لإسرائيل.
ويرى الدكتور الدليمي أن المشكلة ليست فقط في قرارات الحذف، بل في المنهجية غير الشفافة التي تتعامل بها الشركات مع المحتوى الحساس سياسيًا، مؤكدًا أن "المنصات الكبرى لم تنجح في احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان في سياسات النشر والتقييد".
وقد طالبت المنظمات الحقوقية هذه المنصات بـ إعادة النظر في معاييرها وتطبيق مبدأ الشفافية، من خلال نشر تقارير دورية توضح أسباب حذف المحتوى أو تقييده، وتوفير آليات طعن فعالة تتيح للمستخدمين الدفاع عن موادهم الموثقة.
الذكاء الاصطناعي في دائرة الاتهام
أحد أبرز الجوانب المثيرة للجدل في هذه القضية هو دور خوارزميات الذكاء الاصطناعي في مراجعة المحتوى.
فبحسب تقارير حقوقية، تعتمد يوتيوب على أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد المواد "الحساسة"، إلا أن هذه الأنظمة تفرط في تمحيص المحتوى الفلسطيني، ما يؤدي إلى حذف مقاطع توثق انتهاكات حقوق الإنسان أو تقييدها دون مبررات موضوعية.
يشير الدليمي إلى أن التحيز الخوارزمي يمثل خطرًا متناميًا، لأن الخوارزميات تُدرّب غالبًا على بيانات لا تراعي السياق اللغوي والثقافي العربي، ما يجعلها عاجزة عن التمييز بين خطاب الكراهية والتوثيق الحقوقي.
وأضاف أن النتيجة هي "إزالة مواد إعلامية مشروعة وموثقة، فقط لأنها تُظهر الواقع الفلسطيني من زاوية إنسانية لا تتوافق مع الرواية السائدة في الغرب".
توثيق الانتهاكات على منصات بديلة
أمام هذا التضييق المتزايد، لجأ النشطاء الفلسطينيون والمؤسسات الإعلامية إلى منصات أخرى لتوثيق الانتهاكات، مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وتيليغرام ومنصة "إكس" (تويتر سابقًا).
إلا أن التقارير تشير إلى أن هذه المنصات أيضًا تمارس درجات متفاوتة من الرقابة، خاصة خلال فترات التصعيد العسكري في غزة والضفة الغربية.
وفي مواجهة هذه السياسات، اتبع النشطاء تكتيكات للتحايل على الخوارزميات، مثل تقسيم النصوص واستخدام رموز وكلمات بديلة لتجنب الحذف، بالإضافة إلى تشجيع الجمهور على التفاعل المكثف مع المنشورات لزيادة انتشارها قبل أن تُزال.
ورغم هذه الجهود، يؤكد الدليمي أن الرقابة الرقمية تُفرغ الصحافة المستقلة من دورها الرقابي، وتحرم الجمهور من الوصول إلى الحقيقة، مشددًا على ضرورة بناء منصات عربية مستقلة تضمن حرية التعبير وحق الشعوب في سرد رواياتها دون تدخل سياسي أو تقني.
ازدواجية المعايير في تطبيق سياسات "يوتيوب"
بحسب دراسات لمنظمات رقمية، فإن تطبيق "يوتيوب" لإجراءاته لا يتم بشكل متساوٍ، إذ تُظهر البيانات أن المحتوى الفلسطيني يخضع لتدقيق مفرط مقارنة بمحتوى آخر يحمل طابعًا تحريضيًا بلغة عبرية أو يدعم الرواية الإسرائيلية.
ويشير تقرير لمؤسسة "حملة" إلى أن المنصة تتغاضى عن مقاطع فيديو تحتوي على تحريض واضح ضد الفلسطينيين، بينما تقوم بحذف أو حجب مواد توثيقية تنشرها وسائل إعلام عربية أو منظمات حقوقية.
كما تُظهر بعض الحالات أن "يوتيوب" فسّر سياساته بشكل ضيق لتبرير إبقاء محتوى مثير للجدل يخدم أطرافًا سياسية معينة، بينما يستخدم التفسيرات الأشد صرامة ضد المحتوى الفلسطيني.
هذا ما وصفه الدكتور الدليمي بـ "الازدواجية الأخلاقية في إدارة المنصات الرقمية"، مؤكدًا أن العدالة الإعلامية تتطلب تطبيق القواعد نفسها على جميع المستخدمين دون تحيز سياسي أو جغرافي.
الإعلانات المسيئة وتغذية الكراهية
ولم تتوقف الانتقادات عند حذف المحتوى، إذ كشفت تقارير حقوقية أن سياسات الإعلانات على "يوتيوب" سمحت خلال فترات الصراع بظهور إعلانات تحرض على الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين، في حين تم تقييد الفيديوهات التي توثق الحياة اليومية والمعاناة الإنسانية في غزة والضفة.
هذا التناقض، وفقًا للدليمي، يعكس "انحرافًا في أولويات المنصات التي تضع الربح التجاري فوق القيم الأخلاقية"، مؤكدًا أن استمرار السماح بالمحتوى التحريضي يهدد السلم الرقمي ويقوّض مصداقية الإعلام العالمي.
الضغوط السياسية وتأثيرها في القرارات الرقمية
أحد العوامل المحورية في هذه الأزمة هو الضغط السياسي الممارس على شركات التكنولوجيا الكبرى من قبل الحكومات.
إذ تلجأ دول كثيرة إلى الضغط على "يوتيوب" وشركات التواصل لإزالة محتوى يُعتبر "متطرفًا" أو "يحرض على الكراهية"، إلا أن هذه السياسات تُطبَّق غالبًا بشكل انتقائي، ما يجعلها أداة لتقييد الخطاب السياسي المعارض.
ويرى الدليمي أن هذه الممارسات "تفتح الباب أمام الرقابة المقنّعة"، مؤكدًا أن التحالف بين السلطة السياسية وشركات التكنولوجيا أصبح يشكل خطرًا على حرية التعبير العالمية، خاصة في القضايا الحساسة مثل فلسطين.
التحيز الخوارزمي والبشري.. إشكالية معقدة
تجمع التقارير الحقوقية على أن الرقابة لا تعود فقط إلى الخوارزميات، بل أيضًا إلى التحيز البشري في فرق مراجعة المحتوى.
فالموظفون الذين يتولون تقييم المواد غالبًا يفتقرون إلى المعرفة الثقافية واللغوية بالسياق العربي، مما يؤدي إلى حذف مواد مشروعة أو إساءة تفسيرها.
ويؤكد الدكتور الدليمي أن هذا النقص في الكفاءة اللغوية يجعل من الضروري إشراك خبراء من المنطقة العربية في عمليات المراجعة، لضمان العدالة في تقييم المحتوى واحترام التنوع الثقافي.
نحو رقابة أكثر عدالة وشفافية
في ضوء هذه التحديات، يرى الخبراء أن الحل يكمن في تعزيز الشفافية والمساءلة الرقمية، من خلال إلزام المنصات بنشر تقارير مفصلة عن قرارات الحذف وتوضيح آليات عمل الخوارزميات.
كما يجب على المجتمع المدني العربي والإعلاميين المستقلين توحيد جهودهم للدفاع عن حرية التعبير الرقمية، وإنشاء قواعد بيانات توثيقية مستقلة تحفظ المواد المهددة بالحذف لاستخدامها في التقارير الدولية.







