20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فخ "الموافقة المشروطة".. كيف يستخدم الاحتلال لجنة "التكنوقراط" كأداة تأجيل لا حل إداري؟

في لحظة فارقة كان من المفترض أن تشهد تدفق شاحنات المساعدات وبداية انحسار الآلة العسكرية، اصطدمت طموحات التهدئة في القاهرة بجدار التعنت الإسرائيلي

بقلم: 180 تحقيقات
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
وسام عفيفه

وسام عفيفه

في لحظة فارقة كان من المفترض أن تشهد تدفق شاحنات المساعدات وبداية انحسار الآلة العسكرية، اصطدمت طموحات التهدئة في القاهرة بجدار التعنت الإسرائيلي، ليدخل المشهد التفاوضي نفقاً مظلماً من الانتكاسات المتلاحقة.

لم تكن العودة إلى مائدة المفاوضات يوم الثلاثاء الماضي مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت اختباراً حقيقياً لمدى جدية الأطراف في تحويل "الورقة السياسية" إلى واقع ملموس، إلا أن ما رشح من كواليس الغرف المغلقة يشير إلى أننا لسنا أمام رغبة في إنهاء الصراع، بل أمام عملية "إعادة هندسة" شاملة لشروط التفاوض تهدف إلى استنزاف الوقت وفرض واقع أمني جديد تحت غطاء المماطلة الدبلوماسية.

جوهر الأزمة: انقلاب على منطق "التدرج المرحلي"

حلل المحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة المشهد الراهن بكونه "انتكاسة بنيوية" أصابت صلب التفاهمات التي بُنيت عليها ورقة الوسطاء المؤلفة من 15 بنداً، فالقاعدة الذهبية التي وافقت عليها حركة حماس والفصائل الفلسطينية كانت تقوم على معادلة واضحة المعالم منها  تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى كاملة وبشكل فوري، كشرط لا غنى عنه للانتقال إلى تعقيدات المرحلة الثانية، هذا الرد الذي قدمته المقاومة في 23 أبريل 2026 لم يكن رداً شكلياً، بل كان إعادة صياغة للمسار التفاوضي باعتباره مساراً سياسياً متكاملاً يربط بين الإغاثة الإنسانية والانسحاب العسكري، ويرفض بشكل قاطع تحويل ملف السلاح إلى شرط مسبق، بل يضعه ضمن إطار وطني شامل بعيداً عن ضغوط الميدان.

الانتكاسة بدأت تتبلور حينما وجد الوسطاء أنفسهم أمام "فجوة الثقة" التي اتسعت بعد عودة المبعوث الأممي ميلادنوف من زيارة خاطفة للاحتلال، حاملاً معه رفضاً صريحاً للانسحاب إلى ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" المتفق عليه مع بداية وقف إطلاق النار، هذا الرفض لم يكن مجرد خلاف تقني على أمتار جغرافية، بل كان ضربة في صميم "منطق التدرج"، حيث حاول الاحتلال القفز فوق التزاماته في المرحلة الأولى وربط الانسحاب بالانتقال الفوري للمرحلة الثانية، وهو ما يعني عملياً مقايضة "الانسحاب" بـ "تنازلات سياسية وأمنية" لم تنضج ظروفها بعد، مما وضع الوسطاء في مأزق أخلاقي وسياسي أمام الفصائل التي حضرت للقاهرة بناءً على ضمانات دولية.

المساعدات والاغتيالات.. استحقاقات سقطت في اختبار التنفيذ

وفقاً للتحليلات الميدانية، فإن الاستحقاقات الثلاثة الكبرى التي كان من المفترض انطلاقها مطلع هذا الأسبوع تمثلت في إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً، ووقف العمليات العسكرية والاغتيالات، والانسحاب للخط الأصفر، لكن الواقع على الأرض قدم رواية مغايرة تماماً؛ فالاغتيالات الصهيونية استمرت بوتيرة دموية حتى يوم الثلاثاء، والمساعدات الإنسانية ظلت رهينة القيود البيروقراطية والعسكرية، مما أكد للفصائل الفلسطينية أن الاحتلال يتبنى سياسة "التهرب من الاستحقاق الإجرائي" مع الاحتفاظ بمزايا التهدئة من طرف واحد، هذا السلوك الإسرائيلي يعكس استراتيجية "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها، حيث يتم استخدام المفاوضات كأداة لامتصاص الضغط الدولي دون تقديم أي تنازلات حقيقية تمس جوهر الصراع العسكري.

عقدة التكنوقراط ولعبة "الربط التعجيزي"

دخل ملف "لجنة التكنوقراط" كمتغير جديد في معادلة القاهرة، حيث أبدت حكومة الاحتلال موافقة مبدئية على دخولها لإدارة الشؤون المدنية، لكنها كعادتها، جعلت هذه الموافقة "لغماً موقوتاً"، فقد ربط الاحتلال تشكيل وعمل هذه اللجنة بسياق المرحلة الأولى ولكن دون جداول زمنية ملزمة، مما يجعلها ورقة أخرى في لعبة التأجيل.

 ويرى المحلل وسام عفيفة أن هذا الربط المتعمد بين الملف الإنساني “المساعدات”، والملف الإداري “التكنوقراط”، والملف الأمني “الانسحاب”، يهدف إلى تآكل الاتفاق من الداخل، وتحويل النقاش من "كيفية التنفيذ" إلى "إعادة التفاوض" على بنود تم إشباعها بحثاً وتوافقاً في جولات سابقة.

سيناريوهات المستقبل: بين الاختراق والانتظار المر

يتأرجح المشهد التفاوضي الآن بين ثلاثة مسارات لا رابع لهما المسار الأول هو التعطيل المرحلي المقصود الذي يمارسه الاحتلال لابتزاز المقاومة في ملفات أمنية معينة والمسار الثاني:هو انهيار الثقة بالوسطاء نتيجة عجزهم عن إلزام الاحتلال بالتعهدات الموثقة بضمانات أمريكية والمسار الثالث هو نجاح الضغط الدولي في إحداث اختراق حقيقي يخرج "خارطة الطريق" من أدراج المكاتب إلى شوارع غزة المحاصرة.

إن بقاء وفد الفصائل في القاهرة لا يعني قبولاً بالأمر الواقع، بل هو وضع للاحتلال والوسطاء أمام مسؤولياتهم التاريخية، فالمقاومة تدرك أن الانتقال لأي مرحلة جديدة دون جدول زمني واضح ومطبق على الأرض يعني الانتحار السياسي، ولذلك يبقى الموقف ثابتاً، لا تفاوض على ما تم الاتفاق عليه، بل تفاوض على آليات الإلزام. القادم من الأيام سيحدد ما إذا كانت القاهرة ستشهد ولادة اتفاق حقيقي، أم أنها ستبقى مجرد محطة انتظار في صراع ممتد يعيد فيه الاحتلال هندسة شروطه كلما اقتربت لحظة الحقيقة.

180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال