في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة، يبرز تساؤل جوهري حول مصير الملفات الإنسانية التي باتت رهينة للحسابات العسكرية والمصالح السياسية الضيقة.
وقدم الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية، عدنان القصاص، وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، رؤية تحليلية حول كيفية تأثير ربط المسار الإنساني بالقضايا السياسية على فرص التعافي المستدام، محذراً من أن تحويل المساعدات من "حق مكتسب" إلى "أداة تفاوض" يؤدي بالضرورة إلى تأخير عمليات إعادة الإعمار ويجعل الاستقرار هشاً ومشروطاً بتوازنات القوى لا باحتياجات الشعوب الفعلية.
تداخل المسارات وتأثيرها على الاستقرار التنموي
ويوضح أن إقحام السياسة في العمل الإنساني يُبقي المجتمعات المتضررة في حالة انتظار دائم للحلول السياسية المتعثرة، بدلاً من الانتقال الفعلي إلى مرحلة الاستقرار التنموي.
ويرى أن الفصل بين الملفين الإنساني والعسكري ممكن من الناحية النظرية فقط، أما على أرض الواقع، فإن الفاعلين والمؤثرين يوظفون الاحتياجات الأساسية للمدنيين كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب ميدانية. هذا الواقع يتطلب وجود ضمانات دولية صارمة وآليات رقابة مستقلة، وهي للأسف إما غائبة تماماً أو تعاني من ضعف شديد في التأثير على مجريات الأحداث.
وفي سياق متصل، يشير إلى أن غياب التدخل الدولي الفعال سيؤدي حتماً إلى سيناريوهات قاتمة، تتركز في استمرار حالة الاستنزاف الطويل والتآكل المؤسسي الشامل. هذا الفراغ السياسي والمؤسسي يفسح المجال لتصاعد "اقتصاد الظل" وظهور دورات اشتباك متقطعة، مما يدفع الحالة تدريجياً نحو واقع "لا حرب ولا سلام"، وهو واقع يتسم بكلفة إنسانية متزايدة تقع ضحيتها الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، مع غياب أي أفق للحل الشامل.
انعكاسات تجميد الأزمة على الاقتصاد المحلي
وحول التأثيرات الاقتصادية، يؤكد أن حالة "تجميد الأزمة" أنتجت ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد البقاء" بدلاً من اقتصاد النمو. ويتمثل هذا النمط في انكماش حاد في معدلات الإنتاج المحلي، وزيادة الاعتماد الكلي على التحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية المحدودة. هذا الوضع أدى إلى بطالة مزمنة واتساع دائرة الفقر متعدد الأبعاد، مما تسبب في تآكل الطبقة الوسطى التي تمثل صمام أمان المجتمعات، وتحول المجتمع إلى كتل بشرية تعيش تحت ضغط الحاجة اليومية المستمرة.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب المادي، بل يمتد ليشكل ضغطاً هائلاً على البنية الاجتماعية؛ إذ يرى أن استمرار النزوح لفترات طويلة يعيد تشكيل التركيبة السكانية ويخلق ضغطاً يفوق قدرة الخدمات الأساسية على الاستمرار. هذا التغيير الديموغرافي يفاقم التفاوتات الطبقية والاجتماعية، ويزيد من احتمالات الاحتكاك الاجتماعي، مما يهدد التماسك العام ويُضعف رأس المال الاجتماعي على المدى البعيد، ويجعل من الصعب استعادة الثقة المجتمعية حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية لاحقاً.
استراتيجية الاحتلال في إدارة الأزمة واستدامتها
ويسلط الضوء على كيفية استفادة الاحتلال من هذا الواقع المعقد، موضحاً أن الاستفادة تتم على ثلاثة مستويات زمنية، ففي المدى القريب، ينجح الاحتلال في خفض كلفة المواجهة المباشرة وتحويل الأعباء الإنسانية والمعيشية إلى عاتق الأطراف الدولية، مع الحفاظ على حرية حركته الميدانية وتقييد أي محاولة فلسطينية لإعادة التنظيم. أما على المدى المتوسط، فيعمل الاحتلال على تعزيز واقع الفصل الجغرافي والاجتماعي، وإضعاف البنية الاقتصادية المحلية لضمان استمرار التبعية للخارج.
وعلى المدى البعيد، يسعى الاحتلال لترسيخ وقائع شبه دائمة على الأرض، وإعادة تشكيل البيئة الديموغرافية بما يدعم سردية "الواقع القائم"، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي قد يقوم على استحقاقات متكافئة، هذا النهج يؤشر بوضوح إلى تراجع أولوية التسوية السياسية لصالح ترتيبات مؤقتة منخفضة الكلفة دولياً، وهو ما يصفه القصاص بـ "إدارة الأزمة" بدلاً من السعي الجاد لحلها، مما يعيد إنتاج المعاناة بشكل مستدام وممنهج.
خارطة الطريق: نحو فك الارتباط الإنساني بالسياسي
وفي ختام تصريحاته، يضع عدنان القصاص خارطة طريق للخروج من هذا المأزق، تبدأ بضرورة فك الارتباط بين الملفين الإنساني والسياسي عبر آلية دولية مستقلة تخرج الإغاثة من دائرة المساومة. ويشدد على أهمية تثبيت مسار حماية قانوني دولي يضمن عدم تحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات ضغط، مع ضرورة الانتقال من مجرد "إدارة الأزمة" إلى "إدارة حل تدريجي" بخطة زمنية واضحة تمنع الجمود المستدام الذي يستنزف الطاقات البشرية والمادية.
كما يدعو الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية، عدنان القصاص إلى دعم الاقتصاد المحلي الإنتاجي بدلاً من الاكتفاء بالدعم الإغاثي، لكسر حلقة الفقر البنيوي وتقليل الاعتماد على الخارج. ويختتم بالتحذير من أن ملف النزوح يجب أن يعالج كقضية استقرار طويل الأمد وليس كاستجابة طارئة عابرة، لأن أي تأخير في معالجة هذه المحاور لن يؤدي فقط إلى تجميد الوضع، بل سيعيد تشكيله بطريقة يصعب عكسها أو إصلاحها في المستقبل، مما يهدد مستقبل الأجيال القادمة وفرصها في حياة كريمة ومستقرة.








