في ظلّ الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خرج إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لينفي بشكل قاطع عودة جباية الضرائب أو الرسوم داخل القطاع، مؤكدًا أن هذه المزاعم "ادعاءات غير صحيحة تهدف لتشويه صورة الجهود الإنسانية المبذولة".
وأكد الثوابتة في بيان صحفي، اليوم السبت، أن الجهات الحكومية في غزة لا تمارس أي نشاط مالي أو سيادي، مشددًا على أن دورها يقتصر على تقديم الخدمات الإنسانية والإغاثية للمواطنين في ظلّ الحصار والدمار الواسع الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
نفي رسمي وسط جدل شعبي
جاء تصريح الثوابتة ردًا على اتهامات تداولتها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن فرض ضرائب جديدة أو رسوم على دخول السلع إلى القطاع.
وأكد أن كل أنواع الضرائب متوقفة تمامًا، بما في ذلك ضريبة الدخل، القيمة المضافة، الجمارك، التعليات الجمركية، وسائر الرسوم الحكومية.
وأضاف أن "أي حديث عن فرض رسوم أو جباية مالية هو محض تضليل إعلامي يهدف إلى تبرير ارتفاع الأسعار من قبل بعض التجار أو الجهات المستفيدة من الأزمة"، مشيرًا إلى أن الحكومة المحلية "تقف إلى جانب المواطنين ولا تفرض عليهم أي أعباء مالية إضافية".
ويرى مراقبون أن هذا النفي يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية في آن واحد، إذ تسعى حكومة غزة إلى نزع أي ذريعة يمكن أن تُستخدم ضدها في الخطاب الدولي الذي يحمّلها جزئيًا مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية.
التحدي الإنساني والاتهامات الاقتصادية
وأوضح الثوابتة أن الحكومة لا علاقة لها بإدخال الشاحنات أو فرض رسوم على دخول السلع، وأن المجال مفتوح بالكامل أمام المنظمات الدولية والإقليمية لإدخال المساعدات الإنسانية دون تدخل.
وأضاف أن الباب فُتح أيضًا أمام التجار المحليين لإدخال السلع الضرورية بهدف كسر سياسة التجويع، ومنع الاحتكار، وتوفير احتياجات السوق الأساسية.
وأكد أن الحكومة في غزة لا علاقة لها بما يُعرف برسوم التنسيقات، موضحًا أن هذه الرسوم "يفرضها الاحتلال وشبكات مرتبطة به ضمن إطار ابتزاز اقتصادي ممنهج"، مشيرًا إلى أن الاحتلال يستخدم هذه الآلية للتحكم في حركة البضائع والمعونات الواردة إلى القطاع.
ويرى محللون أن بيان الثوابتة جاء في لحظة حساسة سياسيًا، إذ يتزامن مع تصاعد النقاش حول "الاتفاق المرحلي" الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التاسع من أكتوبر الجاري، والذي يشمل ترتيبات ميدانية بين إسرائيل وحماس بوساطة مصرية وقطرية وتركية.
بين المساعدات والاحتكار
يعيش سكان غزة اليوم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخهم، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 238 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود.
وفي ظلّ المجاعة الواسعة وندرة الوقود والمواد الغذائية، تبرز اتهامات متكررة لحكومة غزة حول سوء توزيع المساعدات أو فرض رسوم خفية، وهو ما تحاول السلطات نفيه بشكل متكرر لتأكيد أن جميع المساعدات تدخل تحت إشراف دولي مباشر دون تدخل محلي.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن انقطاع الاتصالات وتدمير البنية التحتية جعل من الصعب تتبع حركة المساعدات بدقة، الأمر الذي أتاح مساحة للشائعات حول الجبايات. ومع ذلك، فإن الظروف الأمنية المعقدة في مناطق الجنوب، خصوصًا قرب معبر رفح، تجعل أي تنظيم اقتصادي مستقر أمرًا شبه مستحيل في الوقت الحالي.
البعد السياسي: إدارة أزمة أم محاولة تبرئة؟
تحمل تصريحات الثوابتة أيضًا رسالة سياسية موجهة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الحكومة في غزة ليست طرفًا في أي إجراءات مالية يمكن أن تُعتبر "جباية سيادية"، ما يعني عمليًا أنها تلتزم بالترتيبات الإنسانية التي تفرضها الأمم المتحدة والوسطاء الدوليون.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يهدف إلى إظهار حكومة غزة كشريك إنساني وليس كسلطة مالية، خصوصًا بعد أن ارتفعت الأصوات المطالبة بفرض إدارة دولية مؤقتة على القطاع لإعادة الإعمار وتوزيع المساعدات.
وبذلك، فإن النفي الصادر من المكتب الإعلامي يحمل رسالة مضاعفة: الأولى للداخل الفلسطيني لتأكيد أن الحكومة "مع الناس وليست عبئًا عليهم"، والثانية للخارج لتأكيد أن سلطات غزة لا تتدخل في مسار المساعدات أو التجارة.
أزمة الثقة والضغط الدولي
تزامن النفي الرسمي مع استمرار الضغوط الأميركية والدولية لتطبيق الاتفاق المرحلي الذي أعلن عنه ترامب، والذي ينصّ على تخفيف الحصار مقابل ترتيبات أمنية في رفح، ما يعني أن الحكومة في غزة تسعى لتجنب أي اتهامات قد تُستخدم لتبرير تقليص المساعدات أو فرض وصاية خارجية.
ويقول خبراء إن أي إشارة إلى جباية مالية يمكن أن تُستغل من قبل الاحتلال أو الولايات المتحدة لتبرير إعادة النظر في آليات توزيع المساعدات، أو حتى نقل الإشراف المالي إلى جهات دولية، وهو ما تعتبره حركة حماس مساسًا بسيادتها الإنسانية على القطاع.









