مع تصاعد الحديث عن لقاء مرتقب بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ورئيس حركة حماس في قطاع غزة خليل الحية في إسطنبول، ومع إعلان واشنطن المضي في بيع مقاتلات F-35 للسعودية، بدا واضحًا أن المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل تعيشان حالة من الغضب والتوتر. لكن خلف هذا القلق المعلن، هناك حقيقة ثابتة لا تتغير: التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل أعمق وأكثر صلابة مما قد توحي به التطورات الراهنة.
ترى إسرائيل في اللقاء المرتقب بين ويتكوف والحية نوعاً من الاعتراف العملي بالحركة، التي باتت واشنطن تدرك أنه لا يمكن تجاوزها في الترتيبات المقبلة، خصوصاً مع سعيها لضمان بقائها السياسي. إلا أن قراءة الموقف الأميركي تكشف صورة مختلفة؛ فالولايات المتحدة، رغم تصنيفها حماس منظمة إرهابية، اضطرت لفتح قنوات اتصال معها في إطار ترتيبات أمنية مؤقتة تتعلق بوقف إطلاق النار وإدارة ملف الرهائن وضمان استقرار المرحلة الانتقالية في غزة.
ويعود جانب من الغضب الإسرائيلي إلى أن هذه الاتصالات تُظهر بقاء حماس فاعلاً سياسياً لا يمكن تجاوزه، في تناقض واضح مع أهداف الحرب التي أعلنها نتنياهو، ومع الرواية الإسرائيلية حول “القضاء على الحركة” وتحقيق نصر حاسم. ومن هنا يأتي القلق من أن واشنطن تتعامل مع واقع لم تستطع إسرائيل تغييره.
قد لا يكون هذا التواصل انفتاحاً سياسياً أو تغييراً في موقف واشنطن التاريخي، بل خطوة تقنية تفرضها ضرورات الواقع، تُشبه ما قامت به الإدارة الأميركية في نزاعات أخرى حين اضطرت للتعامل مع أطراف غير معترف بها رسميًا. ومع ذلك، يثير هذا التواصل حفيظة إسرائيل لأنه يحدّ من قدرتها على التحكم المنفرد بمستقبل غزة، ويعكس استقلالية متزايدة في القرار الأميركي، ويؤثر على روايتها حول نتائج الحرب وأهدافها.
وفي السياق ذاته، شكّل اعتماد القرار الأميركي رقم 2803 (2025) بشأن نشر قوة دولية في غزة تطوراً مهماً في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي. تدرك إسرائيل أن وجود قوة دولية قد يخفف العبء الأمني عنها على المدى القصير، لكنه في المقابل يفرض قيوداً جديدة على تحركاتها المستقبلية، وقد يفتح الباب لمطالبات مماثلة في الضفة الغربية. ومع تهميش السلطة الفلسطينية في القرار، وتكريس الدور الأميركي المباشر، تجد دولة الاحتلال نفسها أمام واقع جديد ترسم واشنطن ملامحه من دون التشاور معها كما كان يحدث في السابق.
أما صفقة الـF-35 مع السعودية، ورغم الجدل الذي تثيره في إسرائيل حول “تآكل التفوق الجوي”، فإن جوهر السياسة الأميركية لا يزال ثابتاً: الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة. فكل صفقة سلاح أميركية لدولة عربية ارتبطت تاريخياً بحزمة تعويضات ضخمة لإسرائيل في السلاح والتكنولوجيا والتعاون الاستخباراتي. ومن شبه المؤكد أن يتكرر الأمر مع الرياض، لاسيما وأن واشنطن ترى في اسرائيل الركيزة الأمنية الأكثر موثوقية في الشرق الأوسط.
ما يقلق إسرائيل ليس فقدان الدعم الأميركي، فذلك غير وارد، بل فقدان القدرة على التحكم الحصري بالمسار السياسي والأمني في المنطقة. فالتواصل الأميركي مع حماس، وملف القوة الدولية، وتوازنات التسليح الجديدة، كلها مؤشرات على استقلالية أكبر في القرار الأميركي، وأقل خضوعاً للاعتبارات الإسرائيلية الداخلية.
قد ترتفع الأصوات الغاضبة في تل أبيب، لكن الواقع يؤكد أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي غير مهدد، وأن التفوق النوعي لإسرائيل محفوظ، وأن الانخراط الأميركي مع حماس ما يزال وظيفيًا لا سياسيًا، وكل ما يجري يعكس تغيّرًا في أدوات التأثير لا في جوهر العلاقات.
باختصار: إسرائيل قلقة، لكنها ليست مهددة.









