20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بلغة الارقام “رعب إسرائيلي أم تصفية حسابات”

"رؤيتنا 2030 ليست أمنية فقط، بل استثمار في البشر، في المستقبل، في الشراكات التي تجعل من السعودية لاعباً اقتصادياً فاعلاً على مستوى العالم".

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
12 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بلغة الارقام “رعب إسرائيلي أم تصفية حسابات”

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بلغة الارقام “رعب إسرائيلي أم تصفية حسابات”

"رؤيتنا 2030 ليست أمنية فقط، بل استثمار في البشر، في المستقبل، في الشراكات التي تجعل من السعودية لاعباً اقتصادياً فاعلاً على مستوى العالم". 

من هذه الكلمات وضع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مِسارٌ واضحٌ لرؤية قيادية طموحة، وليس مجرد شعارٍ مرحليّ؛ ففي زيارتِه الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تجسّد بُعدٌ استراتيجيّ جديد في العلاقات بين البلدين، ليس باعتباره حدثاً بروتوكولياً بل باعتباره إعلاناً عملياً بأن السعودية خلال العقود التسعة الماضية ليست طرفاً ثانوياً في منظومة الشراكة الأميركية، بل فرضٌ حقيقي لا وهمياً. 

فقد بدأت روابطها منذ الثلاثينيات عندما وقّعت المملكة اتفاقية امتياز نفطي، ما وضع الأساس لعلاقة استراتيجية بناءً على الطاقة والاقتصاد، تطورت الشراكة من مجرد تعاون في مجال النفط إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل التقنية والاستثمار والأمن، مع التشديد دوماً على الثوابت: أمن المملكة واستقرار المنطقة، وتدخلها لرفع العقوبات عن سوريا شقيقتها، والاقتصاد الأمريكي المفتوح للطاقة والابتكار.

إنها ثوابت تترجمها زيارة ولي العهد وتعيد صياغة العلاقة في ضوء التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة والعالم. 

الواقع أن المصالح المتقاربة – من الأمن إلى الاقتصاد – جعلت من الشراكة السعودية-الأميركية مشروعاً معمّقاً وليس عرضاً مؤقتاً، بل تحالفاً يشمل الرؤية والسياسات والتدابير العملية.. التي تبرز قوة المملكة على الساحة الاقتصادية، سواء على مستوى المنطقة أو العالم. فصارت مركز جذب للاستثمار الغير نفطي، عبر تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات وبناء قطاع خاص قوي. رأيناه يترجم كل ذلك في منتدى الاستثمار السعودي-الأميركي الأخير، فالمملكة قالت إنها تطمح لعقد شراكة استثمارية بقيمة حوالي 600 مليار دولار خلال الأربع سنوات القادمة، والولايات المتحدة تلعب دور رئيسي كشريك في هذا الطموح، فمن حيث الأرقام الدقيقة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2024 نحو 32 مليار دولار، منها صادرات سعودية للولايات المتحدة تُقدَّر بـحوالي 13 مليار دولار، مقابل واردات سعودية من الولايات المتحدة تقترب من 19 مليار دولار، بل وبلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 500 مليار دولار خلال الفترة من 2013 إلى 2024، وفي عام 2024 وحده بلغ حجم التبادل التجاري 32 مليار دولار، منها صادرات سعودية بلغت 13 مليار دولار، وواردات بقيمة 19 مليار دولار، واليوم، لا تكتفي المملكة لأن يكون دورها التقليدي كمورد للطاقة، بل تبرز كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية من خلال تنويع اقتصادها عبر رؤية 2030، مستثمِرة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المستقبلية، حيثُ يعمل البلدان على فرص شراكة بقيمة 600 مليار دولار، من بينها اتفاقيات بقيمة تزيد على 300 مليار دولار تم الإعلان عنها خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي الذي عُقد في شهر مايو (2025م) في الرياض، مما يعكس الشراكة المتنامية والتعاون المستمر بين البلدين في مختلف المجالات، فهذه القوة الاستثمارية تجلت بقوة خلال المنتدى السعودي-الأميركي كأحد أكبر الفعاليات الاقتصادية في تاريخ البلدين والذي تزامن مع الزيارة، حيث أعلن الأمير التزام المملكة بضخ استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، ليكون التواجد السعودي هناك أكثر من مجرد استثمارات غربية في المملكة، بل شراكة حقيقية للطرفين بالمدن الاقتصادية، والمناطق اللوجستية، والتقنية المتقدمة، والطاقة المتجددة، بتوقيع شمل الاتفاق أكبر صفقة دفاعية في التاريخ تقريبًا، بقيمة نحو 142 مليار دولار من معدات أمريكية، وأُبرمت شراكات تقنية واسعة تشمل الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، بالإضافة إلى تعاون في الفضاء والمعادن. ومن جهة أخرى، أعلن صندوق الاستثمار السعودي (PIF) عن استثمارات جديدة مع مديري أصول أميركيين كبار بقيمة تصل إلى 12 مليار دولار، مما يدل على الجاذبية المتزايدة للسوق الأمريكية أمام رأس المال السعودي. حيثُ تعمل في المملكة نحو 1300 شركة أمريكية، منها 200 شركة تتخذ الرياض مقرًا إقليميًا لأعمالها، أسهمت هذه الشركات في نقل التقنيات الحديثة، وفي تطوير الكفاءات السعودية، وتعزيز النمو الاقتصادي من خلال مشاركتها في مشاريع ضخمة.

وتُصنّف الولايات المتحدة واحدة من أهم الوجهات الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة، إذ يعمل الصندوق من منظور إستراتيجي بعيد المدى على بناء شراكات نوعية وتمكين متبادل للقدرات، بما يعزز التكامل في سلاسل القيمة والتمويل والابتكار، واستحوذت أميركا على 40% من محفظته العالمية؛ مما يعكس الثقة الكبيرة في الاقتصاد الأمريكي واستقراره، كما أن المملكة مستمرة في استقطاب الشركات الأمريكية الكبرى للمشاركة في مشاريعها الإستراتيجية ضمن رؤية 2030.

هذه المعطيات تؤكد أن المملكة ليست فقط سوقاً طموحة أو مستقبلاً للاستثمارات، وشريك نشط يُوقّع اتفاقيات كبيرة، يُحوّل التعهّدات إلى أفعال، ويصبح عنصراً فاعلاً في منظومة الاقتصاد العالمي، وباتت تشكّل لمنظومة الاقتصاد الأمريكي "سدّاً" للفجوات المتعددة: في الطاقة، في رأس المال، في المناخ الاستثماري، في التحول التقني. وهو ما نرى مشاكلها في الولايات المتحدة، من تحديات في إمدادات الطاقة، وتوجهها لتكنولوجيا المستقبل، وفي استدامة شراكاتها الدولية، هنا تجد في السعودية شريكاً يقدم الاستقرار، ويشاركها الطموح، ويستثمر فعلياً في الداخل الأميركي.

هذه الضخامة في الالتزام الاستثماري ليست مجرد مبالغة إعلامية، بل تعكس حقيقة أن السعودية أصبحت ملجأ اقتصادياً استراتيجياً لأمريكا في وقت تواجه فيه تحديات عالمية اقتصادية عدة. فالمملكة توفر طاقة مستقرة، استثمارات بعيدة المدى، وشراكات مبتكرة في التكنولوجيا الحديثة والمعادن الحيوية، ما يساعد الولايات المتحدة على سد فجوات اقتصادية مهمة لديها، وهنا نرى تصدّر الصادرات السعودية إلى أمريكا هذا العام منتجات المعدِّن (معدنية) بنحو 10.0 مليار دولار، وأسمدة تقدر بـ 830 مليون دولار، وكيميائيات عضوية بـ 526 مليون دولار، بينما استوردت السعودية من الولايات المتحدة في 2024 سلعًا تساوي 19.7 مليار دولار، وفق بيانات المنتدى نفسه، وبلغت الواردات وفق تقرير صندوق النقد الدولي (IMF)، من الولايات المتحدة في 2024 نحو 19.5 مليار دولار، وتشمل بالأساس ماكينات ومعدات كهربائية، ومعدات نقل، ومنتجات كيميائية. وبلغ إجمالي التجارة (بضاعة وخدمات) بين البلدين حوالي 39.5 مليار دولار في 2024، منها 26.0 مليار دولار تجارة بضائع، بينما بلغت الصادرات الأمريكية إلى السعودية بلغت حوالي 13.18 مليار دولار في 2024.

أما من جهة الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI): احتلت الولايات المتحدة مرتبة مهمة بوصفها مستثمرًا كبيرًا في السعودية، حيث بلغت الأسهم المتراكمة (FDI stock) حوالي 54 مليار دولار حتى 2023، وجاء توزيع هذا الاستثمار الأمريكي في السعودية كالتالي: نحو 25.3 مليار دولار في قطاع النقل والتخزين، 13.0 مليار دولار في التصنيع، و2.4 مليار دولار في قطاع التجزئة، أما من وجهة نظر الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة، وفقًا لبيانات برنامج SelectUSA التابع للحكومة الأميركية، فالمخزون (stock) من الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة يصل إلى 16.3 مليار دولار حتى 2024. من جهة أخرى، هذا العمق في التعاون الاقتصادي يعيد تشكيل الأبعاد الجيوسياسية في المنطقة. تعزيز العلاقات السعودية-الأميركية بهذه القوة يثير تساؤلات دولية، بخاصة من جهات مثل إسرائيل، التي قد تراقب هذا المد المتنامي بنظر قلق، إذ إن النفوذ الاقتصادي المتزايد للمملكة قد يترجم إلى تأثير سياسي أكبر في ملفات إقليمية حساسة، مما يعيد رسم موازين القوى. في الوقت ذاته، يمكن لهذا النوع من الشراكة أن يكون رافعة للاستقرار إذا ما استُخدم كمنصة للتنمية المشتركة، بدلاً من التصعيد، عبر بناء التعاون التكنولوجي، والأمني، والاستثماري.

إننا لا نُرى المملكة كمديْن ولا كمتلقي فقط، بل كفاعل يُوقّع الاتفاق، ويُحوّل الالتزام إلى حقيقة، ما يجعلها "منقذاً اقتصادياً" للطرف الأميركي ليس في لحظة طوارئ فحسب، بل في مرحلة بناء تحالفات اقتصادية استراتيجية. أما من الجانب الجيوسياسي، فإن تعمّق العلاقات السعودية-الأميركية لا يمر مرور الكرام. فزيادته تثير مَخاوف لدى أطراف إقليمية، أبرزها إسرائيل، التي تنظر إلى العلاقات الاقتصادية السعودية الأميركية كعامل تغيّر في موازين القوى الإقليمية.

بالفعل نرى نفوذاً سعودياً متنامياً اقتصادياً يُترجَم إلى تأثير سياسي، أو على الأقل يُمنح لهذا التأثير قاعدة وجود أقوى في ملفات أمنية وإقليمية. قلق إسرائيلي ليس مجرد شعور عابر؛ بل يعكس حقيقة أن الاقتصاد اليوم هو أحد محاور القوة الجيوسياسية، وأن التقارب السعودي-الأميركي، حين يُفعّل استثمارياً وتقنياً، تصبح أوراق نفوذ تُحتسب في كافة الملفات. وبنفس الوقت، فإن هذه الديناميكية إذا ما أقيمت على أسس واضحة وبنّاءة، تستطيع أن تسهم في الاستقرار الإقليمي من خلال تنمية مشتركة، واستثمارات حقيقية، وهو ما لا تريده إسرائيل ولا لتطوير مشاريع تعود بالنفع المتبادل وليس بالمنافع الأحادية.

أخيراً: أود أن أقتبس مقولةً أخرى للأمير محمد بن سلمان: "إن قدرتنا على الشراكة مع العالم ليست خياراً فرعياً، بل هي رسمٌ لمستقبل أكثر ازدهاراً، وأكثر تعاوناً، وأكثر تأثيراً للسعودية ولشركائها". بهذه الروح تتجلى حقيقة أن السعودية ليست فكرة اقتصادية عابرة أو تجمعاً استثمارياً مؤقتاً، بل عنوانٌ حقيقيّ لشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة والعالم. وعليه، فإن نشر هذا التحليل اليوم ليس فقط مهماً، بل ضرورياً لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه المملكة في مشهد الاقتصاد الدولي، وعلى القيمة التي تضيفها لواشنطن وللرافعة الاقتصادية العالمية.

 

 

 

 

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بلغة الارقام “رعب إسرائيلي أم تصفية حسابات” - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°