تعيش الحدود اللبنانية – الإسرائيلية منذ أسابيع على وقع توترات متصاعدة مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله" وتزايد الخطاب الحاد من جانب المسؤولين الإسرائيليين الذين لوّحوا بعمليات "حسم قريبة" لإبعاد مقاتلي الحزب عن الحدود الشمالية.
وفي ظل هذه التطورات، يصبح رصد طبيعة التهديدات ووضعها في سياقها الأمني أمرًا ضروريًا لفهم ما إذا كان المشهد يتجه نحو حرب مفتوحة أم تفاهمات سياسية جديدة تعيد رسم قواعد الاشتباك.
إسرائيل: مناورات ميدانية وتهديدات متدرجة
خطاب أكثر عدوانية من القيادة العسكرية
خلال الأسابيع الماضية، رفعت القيادة الإسرائيلية منسوب التصريحات التي تدعو إلى "تغيير الواقع في الشمال".
تصريحات وزير الدفاع ورئيس الأركان حذّرت من أنّ "الوقت يقترب لحسم جبهة الشمال بالقوة"، وهي لغة لم تستخدم بهذا المستوى منذ حرب 2006.
يأتي ذلك متزامنًا مع تسريب تقارير إسرائيلية تتحدث عن خطة عملياتية جاهزة لإبعاد "حزب الله" كيلومترات عدة عن الحدود، عبر هجوم بري محدود أو ضربات جوية واسعة.
مناورات على مشارف الحدود
نفذ الجيش الإسرائيلي مناورات تحاكي اجتياحًا سريعًا لمواقع متقدمة داخل الأراضي اللبنانية.
وتركز المناورات على عمليات اقتحام لقرى حدودية و محاكاة إطلاق صواريخ مضادة للدروع من قبل الحزب و سيناريوهات تسلل لقوات الرضوان و تفعيل منظومات دفاعية لاعتراض رشقات صاروخية كثيفة و تعكس هذه المناورات رغبة إسرائيل في طمأنة الداخل وإرسال رسالة ردع للخصم.
ضغط سياسي على المجتمع الدولي
تحركت إسرائيل دبلوماسيًا لإقناع واشنطن وباريس بضرورة "تطبيق كامل للقرار 1701"، الذي يدعو لانسحاب حزب الله من الجنوب.
وتستخدم إسرائيل التهديد العسكري كأداة ضغط للحصول على تفاهمات أوسع تضمن منطقة عازلة شمال الحدود.
بين التهديد والردع والضغوط الداخلية
موقف حزب الله: معادلة الردع قائمة
من جانبه، أكد "حزب الله" أن أي هجوم على لبنان سيواجه برد مباشر، وأن الحزب جاهز لتوسيع دائرة النار "أبعد من الجليل"، في إشارة إلى القدرة على ضرب أهداف استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي.
كما واصل الحزب تنفيذ عمليات محدودة على الحدود، معتبرًا أنها رسائل ردعية تهدف إلى منع إسرائيل من تغيير قواعد الاشتباك.
وضع داخلي هشّ في بيروت
التصعيد يأتي في لحظة سياسية واقتصادية صعبة بالنسبة للبنان، الذي يعاني من فراغ رئاسي مستمر و شلل حكومي و أزمة مالية هي الأسوأ في تاريخه و هشاشة اجتماعية وغياب القدرة على تحمل صراع مفتوح.
هذا الوضع يجعل أي حرب شاملة كارثة مضاعفة على الداخل اللبناني، وهو ما يدفع أطرافًا لبنانية عديدة للمطالبة بتخفيف التوتر.
تحركات دبلوماسية لبنانية لاحتواء الأزمة
تسعى الحكومة اللبنانية إلى تدويل المشهد عبر اتصالات مع الأمم المتحدة وباريس وواشنطن، للتأكيد على التزام لبنان بالقرار 1701، ولمنع إسرائيل من استخدام الوضع الحدودي كمبرر للتصعيد.
سياق التهديدات: لماذا الآن؟
بعد حرب غزة: إعادة رسم موازين القوة
ترى إسرائيل أن معادلات القوة تغيرت بعد الحرب على غزة، وأن ترك جبهة الشمال بيد حزب الله "خطر إستراتيجي" ومن هنا، تظهر رغبة إسرائيل في "تحييد" الحزب أو تقليص قدراته الحدودية.
في المقابليعتبر الحزب أن أي تراجع على الحدود سيُعدّ هزيمة سياسية تعطي إسرائيل اليد العليا.
الحسابات الداخلية الإسرائيلية
تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا متزايدة بسبب عجزها عن إنهاء ملف الأسرى و تراجع شعبية القيادة الحالية و الاحتجاجات الداخلية والتصعيد على الجبهة الشمالية قد يستخدم كأداة لرفع أسهم القيادة أو لتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية.
دور الولايات المتحدة
واشنطن لا تزال تضغط لمنع مواجهة شاملة، وتسعى لإيجاد صيغة تنفيذية للقرار 1701، عبر نشر وحدات إضافية من اليونيفيل و إعادة رسم مناطق انتشار حزب الله و تسوية أمنية توقف عمليات القصف المتبادل وهذا التدخل الأميركي يجعل تقدّم إسرائيل نحو الحرب خطوة غير مضمونة.










