دخلت مدينة الخليل مرحلة حساسة في صراعها الطويل مع الاحتلال حول الحرم الإبراهيمي، بعدما كشف مدير الحرم معتز أبو سنينة عن صدور قرار صهيوني يقضي بـ استملاك الباحة الداخلية للمسجد بشكل رسمي. هذا القرار يمثل حلقة متقدمة في مخطط السيطرة التدريجية على واحد من أقدس المواقع الإسلامية تاريخيًا، والمصنف ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
القرار لا يبدو مجرد إجراءات إدارية، بل خطوة استراتيجية توسع من رقعة الهيمنة الاستيطانية داخل الموقع وتنقل الاحتلال من مرحلة التقاسم الزماني والمكاني القائم منذ مجزرة 1994، إلى مرحلة إعادة تشكيل المكان بما يخدم أهداف التهويد الكامل.
استيلاء على البنية التحتية
معتز أبو سنينة أوضح أن الاحتلال لا يكتفي بالاستملاك المكاني، بل امتدت تحركاته لتشمل السيطرة على كل من نظام الكهرباء والمياه داخل الحرم. هذه الخطوة تعني فعليًا انتقال التحكم الكامل بالمكان إلى اليد العسكرية والإدارية الصهيونية، الأمر الذي يجعل الحرم رهينة قرار الاحتلال في فتحه أو إغلاقه، في تنظيم الصلاة، وفي مستوى الخدمات المتاحة للمصلين والزوار.
الاستيلاء على البنية التحتية — كما ورد في حديث أبو سنينة — يمثل تجاوزًا واضحًا للاتفاقيات الدولية ولقرارات اليونسكو التي تؤكد حق المسلمين الكامل في إدارة المكان. ومع ذلك، جاء التنفيذ على الأرض غير آبه بأي التزام قانوني أو إرث تاريخي يمثل الحرم الإبراهيمي كجزء أصيل من الذاكرة الإسلامية والعربية.
تهديد مباشر لموقع مصنف تراثيًا
القرار أثار موجة استنكار فلسطينية، كان أبرزها تحذير أسماء الشرباتي رئيسة بلدية الخليل بالإنابة، التي اعتبرت الاستملاك الجديد تهديدًا مباشرًا لموقع مسجل على لائحة التراث العالمي. ووفق رؤيتها، فإن السيطرة الصهيونية ليست مجرد انتهاك إداري، بل خطوة قد تمهد لتغيير هوية الحرم معماريًا ودينيًا وسياحيًا، بما يتوافق مع مشاريع التهويد الاستيطاني في البلدة القديمة.
الشرباتي شددت على أن خسارة المسلمين لحقهم في إدارة الحرم — إذا مُرِّرت هذه الخطوات دون رد دولي — تعني اختلالًا تاريخيًا وثقافيًا قد يكون من الصعب تعويضه، خاصة في ظل تصاعد عمليات الاقتحام اليومية وزيادة أعداد المستوطنين المحيطين بالمنطقة.
الأبعاد القانونية والسياسية للقرار
يحمل قرار الاستملاك ثلاثة أبعاد رئيسية يمكن قراءتها بوضوح:
ترسيخ التقسيم الميداني القائم منذ التسعينيات وتحويله تدريجيًا إلى ملكية صهيونية دائمة.
تغيير المعالم والإدارة الداخلية للحرم ما يسمح بتوسيع سيطرة المستوطنين وإعادة تشكيل الرقعة الدينية.
تحدٍ مباشر لقرارات اليونسكو التي أكدت في أكثر من مناسبة أن الحرم الإبراهيمي تراث إسلامي خالص.
هذه المؤشرات تجعل من القرار أكثر من حدث محلي، فهو مرشح لأن يصبح نقطة مواجهة دبلوماسية أوسع إذا ما تحركت الجهات المعنية بالتراث العالمي والحقوق الدينية بشكل جاد وفعّال.
نحو مرحلة جديدة من الصراع على الهوية
إن استملاك الباحات الداخلية والسيطرة على الكهرباء والمياه يضع الحرم الإبراهيمي أمام أخطر محطات التهويد منذ سنوات. فالمعركة لم تعد بين مقتحم ومصلٍّ فقط، بل أصبحت مواجهة حول حق إدارة المكان، وملكيته، وروايته التاريخية. وإذا استمرت الإجراءات دون تدخل دولي، فقد يتحول الحرم إلى نموذج مشابه للمسجد الأقصى في تجربة التقسيم ثم الاقتطاع، ما يستدعي تحركًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا يتناسب مع خطورة المرحلة.










