رغم أن احتياطي النقد الأجنبي في البلاد يحقق أرقاما قياسية ويتجاوز حاجز 50 مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي، إلا أن المواطنين لازالوا يعانون من أزمات اقتصادية متلاحقة منها: ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم وتراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر في مصر، إلا أن صندوق النقد الدولي يحاول الحصول على الموافقة النهائية للمراجعتين الخامسة والسادسة من اتفاق القرض المقدر بقيمة 8 مليارات دولار، إلا أنه يحتاج لتحقيق تقدم في تخارج الدولة من الاقتصاد وتنفيذ أجندة الإصلاح.

وكشفت دراسة علمية للباحثة سلمى حسين بعنوان: "أثر السياسات الاقتصادية على الحماية الاجتماعية في مصر” في المركز السوري لبحوث السياسات، تأثيرات السياسات الاقتصادية للحكومة خلال العقد الأخير على الحالة الاجتماعية للشعب المصري.
الإحباط بعد الثورات العربية
خلال العقد الأخير، أظهرت التجارب أن الثورات العربية غالبًا ما تنقلب إلى إحباط وخيبة أمل، وهو نمط تاريخي متكرر. فالثورات وحدها لا تحقق التغيير المنشود، بل يتطلب ذلك جهدًا مستمرًا من أطراف غالبًا ما تكون في موقف ضعف أمام قوى النفوذ والسلطة. لذا، السعي نحو العدالة الاجتماعية يحتاج إلى إصرار ورويّة مع التركيز على الحقوق وآليات تحقيقها.
في السياق الاقتصادي، شهدت الاقتصادات العربية، وخاصة الاقتصاد المصري، تشوهات كبيرة خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية. هناك تركيز مفرط على الناتج المحلي الإجمالي دون الالتفات إلى توزيع الدخل، رغم أهمية ذلك في الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي. الناتج يُنظر إليه كقطاعات إنتاجية، بينما الدخل يُركز على نصيب الأفراد من هذا الناتج، سواء كأجور، عوائد ملكية، أو فوائد بنكية. مع هيمنة السردية النيوليبرالية، تراجع الاهتمام بتوزيع الدخل، مما أدى إلى إغفال قضايا العدالة الاقتصادية.

إهمال هيكل الإنتاج
كما أن هيكل الإنتاج أصبح خارج دائرة النقاش؛ فبدلًا من تحليل نوعية الزراعة أو الصناعة التي تحقق النمو، يُركز على التصدير فقط دون النظر إلى إحلال الواردات لتعزيز التصنيع المحلي. هذه الفجوة التحليلية تعكس هيمنة النيوليبرالية التي قزّمت النظر إلى الاقتصاد الكلي وأهملت التكامل بين التصدير والإنتاج المحلي.
من القضايا الأخرى التي تم تجاهلها هي التشغيل وخلق فرص العمل. في منطقتنا، التي تعاني من أعلى معدلات البطالة عالميًا، لا يُناقش موضوع التشغيل بجدية. التركيز ينصب على معدلات النمو الاقتصادي دون النظر إلى عدد الوظائف التي يتم خلقها أو فقدانها.
على سبيل المثال، في مصر عام 2018، رغم أن حجم الاقتصاد بلغ حوالي 6 تريليونات جنيه، تم خلق 150 ألف وظيفة فقط، في حين فُقدت 100 ألف وظيفة أخرى بسبب الأزمات الاقتصادية، مما جعل صافي التوظيف 15 ألف وظيفة فقط. هذا في وقت تحتاج فيه مصر إلى خلق نصف مليون وظيفة سنويًا لتقليل البطالة بشكل ملموس.

تركيبة السلطة والاحتكار الاقتصادي
تشوه آخر يتعلق بتركيبة السلطة والحكم في الدول العربية، حيث تهيمن أقلية نافذة على القرار السياسي والاقتصادي. في مصر، ورغم تغير الأنظمة بعد الثورة، استمرت العلاقات الوثيقة بين النظام ورجال الأعمال النافذين الذين يتمتعون بامتيازات قانونية خاصة. مثال على ذلك "المناطق الصناعية الخاصة"، التي تُعفى من الضرائب والجمارك، وهي ميزة لا تُتاح للجميع. هذا النظام الاحتكاري يمنح هذه الأقلية السيطرة على الاقتصاد، مما يعزز من نفوذها السياسي والاقتصادي.
دعم الطاقة هو مثال آخر على الامتيازات التي تحصل عليها هذه الفئة. حتى بعد الثورة، ظلت نفس الشبكة النافذة تستحوذ على النصيب الأكبر من هذا الدعم، مما يعكس استمرارية هيمنة هذه الطبقة على الموارد. بالإضافة إلى ذلك، يسيطر هؤلاء على البرلمان أو لجانه المؤثرة، مما يضمن استمرار مصالحهم.

أزمة المديونية وتأثير السياسات النيوليبرالية
أخيرًا، تأتي أزمة المديونية كأحد أبرز التحديات التي تواجه مصر ودول أخرى. حرية دخول وخروج رؤوس الأموال ساهمت في سقوط مصر في فخ المديونية. كل مرة تعجز فيها مصر عن سداد ديونها الخارجية، يكون السبب خروج مكثف لرؤوس الأموال بشكل مفاجئ، وغالبًا لأسباب سياسية لا اقتصادية. في عام 2015، تسبب عدم الاستقرار السياسي في خروج مليارات الجنيهات، مما حول الدين الخارجي الصغير نسبيًا إلى أزمة كبيرة، رغم ارتفاع تدفقات رؤوس الأموال الداخلة.
في السنوات الأخيرة، تسارعت السياسات النيوليبرالية التي بدأت في التسعينيات. مثال على ذلك هو الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية، حيث تم تعطيل قوانين المناقصات لضمان الشفافية والكفاءة. مشروع المونوريل، على سبيل المثال، مُنح بالأمر المباشر لتكتل شركات، رغم فوز عرض آخر بالتقييم الفني. هذا أدى إلى ارتفاع التكلفة دون ضمان.

تراجع الحماية الاجتماعية بشكل مذهل
الحماية الاجتماعية في مصر تراجعت بشكل كبير، رغم أنها كانت سابقاً تضمن حقوقاً أساسية للعمال، مثل العلاج المجاني في حالات إصابات العمل. اليوم، يواجه العمال غياباً شبه كامل للحماية، ما يزيد من التفاوتات الاجتماعية. مفهوم الحماية الاجتماعية، الذي نشأ نتيجة نضالات طويلة، تقلّص تحت تأثير السياسات النيوليبرالية، حيث أصبح يركز على شبكات الأمان النقدية بدلاً من التعليم والصحة.

في منطقتنا، تعاني النساء والشباب من أعلى معدلات البطالة عالمياً، مع غياب دعم البطالة. هذا يدفع الكثير من النساء إلى الانسحاب من سوق العمل، مما يزيد من التفاوت الاقتصادي. السياسات الدولية، مثل تلك التي يروج لها صندوق النقد الدولي، تركز على خفض العجز المالي دون النظر إلى تأثيرها على الفئات الضعيفة. رفع دعم الطاقة، على سبيل المثال، أدى إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني ثلث المصريين من مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي.
الحلول المقدمة غالباً تختزل في تقديم دعم نقدي بسيط، يفقد قيمته مع التضخم، مما يترك المواطنين دون حماية حقيقية. هذا الأسلوب يعكس تجاهل الدولة لمسؤولياتها الأساسية، مثل توفير الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة. في النهاية، هذه السياسات تؤدي إلى تدهور مستويات المعيشة وتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، مما يبرز الحاجة إلى سياسات أكثر عدالة وشمولية.











