تتجه الأنظار، اليوم الأربعاء، إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، التي تستعد للتصويت على مشروع قانون يستهدف وضع جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها على قوائم "المنظمات الإرهابية". خطوة تعكس تصعيداً تشريعياً وسياسياً تجاه الجماعة، وتتقاطع مع مسار أوسع داخل الكونغرس لاستخدام ملفات الإرهاب ومعاداة السامية كأدوات ضغط سياسي تمتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
أولاً: مشروع تصنيف الإخوان.. تحرك قديم يعاد إحياؤه
مشروع القانون الجديد، الذي يقدمه النائبان الجمهوري ماريو دياز بالارت والديمقراطي جاريد موسكوفيتز، يعيد طرح ملف تصنيف جماعة الإخوان على جدول أعمال الكونغرس، بعد إخفاقات سابقة خلال إدارة باراك أوباما والولاية الأولى لدونالد ترامب.
ورغم تعدد المحاولات السابقة، تبدو الخطوة الحالية أكثر تنظيماً، إذ إنها تأتي بعد أمر تنفيذي وقّعه ترامب في 24 نوفمبر الماضي، يطالب ببدء تصنيف بعض فروع الإخوان كـ"منظمات إرهابية أجنبية" و"جماعات إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص".
استراتيجية التجزئة
يمثل الأمر التنفيذي نقلة جديدة تقوم على تجزئة الجماعة إلى كيانات وفروع يمكن استهداف كل منها على حدة، بخلاف المساعي السابقة التي حاولت تصنيف الجماعة ككيان واحد. لكن مشروع القانون الجاري مناقشته يسعى للعودة إلى الخيار الشامل: "حظر الجماعة بأكملها".
ثانياً: مشروع قانون “حماية أوروبا”.. تمدد تشريعي خارج الحدود
بالتوازي مع ملف الإخوان، يناقش المجلس مشروع قانون آخر تحت اسم "حماية أوروبا من الجرائم والتطرف ومعاداة السامية"، يقوده الجمهوريان راندي فاين وماكس ميلر.
الأهداف المعلنة
يوجه المشروع وزارة الخارجية الأميركية إلى: تعزيز التواصل الدبلوماسي مع الحكومات الأوروبية، والضغط لمعالجة ما يُصنف كـ"تصاعد معاداة السامية"، وتنسيق المواقف مع الكونغرس بشأن السياسات المتعلقة بإسرائيل ومجتمعاتها، والخلط بين معاداة السامية وانتقاد الاحتلال.
تشير وقائع النقاشات في الكونغرس إلى أن عدداً من المشرعين يدمجون بين انتقاد السياسات الإسرائيلية وبين "معاداة السامية"، ما يجعل أي موقف ناقد للتوسع الاستيطاني أو للسياسات العسكرية الإسرائيلية عرضة لتوصيفات عقابية.
وقد بدا هذا الخلط واضحاً في تصريحات فاين، أحد مقدمي المشروع، الذي دعا صراحة إلى "ضرب قطاع غزة بالنووي"، في موقف يعكس نزعة عقابية غير مسبوقة.
ثالثاً: مشروع قانون لمعاقبة الحوثيين
كما تبحث اللجنة مشروع قانون يفرض عقوبات على جماعة أنصار الله وفق إطار قانون "ماغنيتسكي". هذا التحرك يأتي في سياق الضغوط الأميركية على الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر واليمن.
رابعاً: انحيازات داخلية.. نفوذ صهيوني واضح في اللجنة
تُظهر تركيبة لجنة العلاقات الخارجية ميلاً واضحاً لانحيازات مؤيدة لإسرائيل، يتجلى في شخصية رئيسها براين ماست، الذي خدم سابقاً في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وارتدى زيه العسكري داخل الكونغرس بعد السابع من أكتوبر، وقدّم تصريحات وصفت الفلسطينيين بأنهم "مؤيدون ضمنيون للإرهاب"، واعتبر الأطفال الفلسطينيين "ليسوا مدنيين أبرياء"، وتعهّد في 2024 بالعمل على "إبادة قطاع غزة بالكامل".
هذه التصريحات تكشف بيئة تشريعية تتأثر بشكل مباشر بالخطاب اليميني الإسرائيلي، وتستخدمها بعض دوائر الكونغرس لتبرير العقوبات والمشاريع المتشددة.
قراءة تحليلية للدلالات السياسية
1. تسييس ملف الإرهاب
يتضح أن مشاريع قوانين كهذه لا تنفصل عن أجندات سياسية داخلية، حيث تُستخدم مفاهيم "الإرهاب" و"الأمن القومي" لتبرير مواقف أيديولوجية أو انتخابية، خاصة في صراع الجمهوريين والديمقراطيين على أصوات التيار اليميني والمسيحي المحافظ.
2. إعادة إنتاج خطاب حرب على الإسلام السياسي
يأتي الدفع نحو تصنيف الإخوان امتداداً لتيار أمريكي يرى في الإسلام السياسي تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، رغم غياب أدلة قانونية تربط الجماعة —بكل فروعها— بأنشطة إرهابية.
3. تعزيز نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل
بروز شخصيات مثل براين ماست وراندي فاين يؤكد تأثير اللوبيات اليمينية المؤيدة لإسرائيل، والتي تدفع نحو تشريعات تعزز القمع السياسي لأي طرف ينتقد إسرائيل، سواء في أوروبا أو العالم العربي.
4. رسائل ضغط نحو الشرق الأوسط
يمنح هذا المسار الكونغرس أدوات جديدة للتدخل في الملفات الإقليمية، من مصر إلى اليمن إلى فلسطين، عبر تشريعات يمكن توظيفها لفرض ضغوط سياسية أو اقتصادية.
يعكس اجتماع لجنة الشؤون الخارجية الأميركية اليوم لحظة تشريعية مشحونة، تتداخل فيها ملفات الإرهاب ومعاداة السامية والعلاقات مع الشرق الأوسط. وبينما يندفع بعض المشرعين نحو تصعيد ضد جماعة الإخوان وفرض عقوبات جديدة، يبدو أن الأجندة الأكثر حضوراً هي تلك المرتبطة بتوسيع النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، وإعادة صياغة الخطاب السياسي الأميركي تجاه المنطقة.
النتيجة المتوقعة: مزيد من الاستقطاب داخل الكونغرس، وتشريعات قد يكون لها تأثير واسع على علاقة واشنطن بعدد من الحكومات في الشرق الأوسط وأوروبا على حد سواء.







