شارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في الدورة الـ 32 للمجلس الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي عُقدت في فيينا تحت رئاسة فنلندا.
هذه المشاركة تأتي في وقت تتعاظم فيه التحديات الأمنية الإقليمية من الحرب في أوكرانيا إلى الصراع في الشرق الأوسط ويبدو أن أنقرة تستهدف من حضورها هذه القمة، ليس فقط عرض مواقفها بل إعادة تموضع دبلوماسي أمام أوروبا تحاول من خلالها أن تؤكد على دورها المحوري في الأمن الإقليمي وعلى أهميتها الاستراتيجية للدفاع الأوروبي.
ماذا قال هاكان فيدان؟
بحسب بيان وزارة الخارجية التركية، وخلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا دعا فيدان إلى “الحفاظ على القيم الأساسية للمنظمة” في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية.
كما وضع أنقرة كـ"جسر دبلوماسي" بين أوروبا والشرق الأوسط، مشيرًا إلى استعداد تركيا للمساهمة في جهود السلام، لا سيما في صراعات مثل حرب أوكرانيا، والصراع العربي–الإسرائيلي، بما في ذلك ملف غزة.
على هامش القمة، التقى فيدان بنظيرته النمساوية، وتطرّقا إلى تطورات الحرب في أوكرانيا، كما جرى بحث ملف العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، حيث أكد فيدان أن “عضوية تركيا في الاتحاد تبقى هدفًا استراتيجيًا” وأعاد التأكيد على ضرورة فتح فصول انضمام جديدة.
تصريحات فيدان خلال القمة تركزت على عدة رسائل أساسية أن تركيا ترى نفسها عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في أي هندسة أمنية أوروبية أو أوروأطلسية مستقبلية وأن أنقرة مستعدة للعب دور الوسيط في أزمات كبرى (أوكرانيا، الشرق الأوسط)، وهو ما يعزز صورتها الإقليمية والدولي و أن رفض أو تهميش تركيا في التحالفات أو الأطر الدفاعية الأوروبية قد يقلل من فعالية تلك الهياكل الأمنية، بحسب فيدان.
لماذا هذا الخطاب الآن؟
حق كشف مراقبون أن أوروبا تواجه اليوم ضغوطًا أمنية متعددة من الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط. تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وجاراتها الجنوبية، تعتبر شريكًا استراتيجيًا مهمًا في استجابة أوروبا لهذه التحديات.
خطاب فيدان الذي يؤكد على “دور تركيا المركزي” يأتي في محاولة لضمان أن أنقرة ستكون في طليعة أي هندسة أمنية أو تعاون دفاعي أوروبي.
ومنذ سنوات، يتراجع زخم مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي (EU)، لكن فيدان استخدم هذه القمة كمنبر لتذكير أوروبا بأن الهدف لا يزال “استراتيجيًا” بالنسبة لأنقرة، وهي مستعدة للحوار والدبلوماسية مقابل فتح فصول جديدة.
وهذا الموقف يعكس محاولة تركيا للموازنة بين الدور الإقليمي والدعوة إلى التكامل مع أوروبا — أي إنها تريد أن تكون في آنٍ واحد جسرًا للشرق والغرب، وعضوًا شبه-متحوّل داخل أوروبا.
ومن خلال التركيز على قضايا مثل حرب أوكرانيا، الصراع في غزة، وحالة الأمن الإقليمي، تسعى أنقرة إلى إظهار قدرتها كوسيط معقول وقادر على التأثير. هذا يعزز من مكانتها أمام الأوروبيين، خاصة أن بعضهم يفضل وجود طرف مستقل قادر على التوسط بين الشرق الأوسط وأوروبا.
كيف تؤثر هذه الدبلوماسية على العلاقات التركية–الأوروبية؟
خطاب فيدان يعيد طرح أنقرة كلاعب أمني ذو وزن استراتيجي، مما قد ينعش العلاقة مع دول أوروبية ترى في تركيا شريكًا ضروريًا في ملفات مثل الأمن، الهجرة، وأزمات الطاقة.
التأكيد على أن العضوية في الاتحاد الأوروبي لا تزال هدفًا استراتيجيًا قد يمنح دفعة لإحياء المفاوضات، إذا ربطت أنقرة انفتاحها على أوروبا بدورها في استقرار المنطقة.
بدل أن يُنظر إلى تركيا كمرشح للعضوية فقط، يمكن أن تُعاد صياغتها كـ"جسر أمني – دبلوماسي" بين أوروبا والشرق الأوسط، خاصة في ظل انشغال أوروبا بملفات أخرى، مما يزيد من اعتماد بعض الدول الأوروبية عليها في الأزمات.
تصاعد الضغوط الأوروبية على أنقرة
لكن من جانب آخر، الخطاب التركي قد يثير تحفظات أوروبية: بعض الدول قد ترى في رغبة تركيا لعب دور أمني / وسيطي تناقضًا مع ملفات مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، أو الشك في تحالفاتها الإقليمية. كما أن اعتراض تركيا على بعض مبادرات الدفاع الأوروبية (كما عبر عنه فيدان سابقًا) قد يُصعّب من دمجها في أي هندسة دفاعية أوروبية مشتركة
أهمية مشاركة تركيا في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا
تؤكد مشاركة تركيا أن أنقرة لا تريد أن تكون طرفًا هامشيًا في القضايا الأوروبية، بل تسعى لتكون جزءًا من صنع القرار في الأمن والاستقرار القاري.
تسعى أنقرة لاستثمار الأزمات الإقليمية (أوكرانيا، الشرق الأوسط) لتعزيز دورها كلاعب محوري بين أوروبا والشرق الأوسط.
من خلال الدبلوماسية متعددة المسارات (اتحاد أوروبي – OSCE – حلف الناتو – دول الجوار)، ترسّخ تركيا لنفسها مكانة “موسّع نفوذ” لا “محدود حدود”.
تركيا بين طموح أوروبي ودور إقليمي — هل تنجح في الجسر؟
مشاركة هاكان فيدان في قمة فيينا تمثل تحركًا استراتيجيًا لتركيا لتعزيز حضورها الدبلوماسي وإعادة ترسيم علاقتها مع أوروبا و تركيا تُظهر أنها ليست فقط جارة الشرق الأوسط، بل جسر أمني ودبلوماسي يمكن أن يربط القارة بالعالم العربي والإقليمي خصوصًا في أوقات الأزمات.
في خضم الصراعات المحتدمة، تبقى أنقرة رهينة "الرهان على الوساطة": إن نجحت، فقد تتحول إلى لاعب أساسي في صنع أمن القارة ومفتاح لأزمات الشرق الأوسط؛ وإن فشلت، فقد تجد نفسها بين حلفاء مشتتين ودول أوروبية متشكّكة.










