شكلت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش نقطة تحول رمزية في الموقف الدولي تجاه الحرب على قطاع غزة.
ففي مقابلة صحفية أُجريت معه مؤخراً في نيويورك أكد غوتيريش أن هناك "أسباباً قوية" للاعتقاد بارتكاب إسرائيل جرائم حرب في القطاع. هذا التصريح، الذي صدر عن أعلى سلطة دولية، يمثل تحدياً مباشراً للإفلات من العقاب ويضع ممارسات إسرائيل العسكرية تحت مجهر القانون الدولي.
دلالات التصريح
تصريح غوتيريش يتجاوز مجرد الإدانة السياسية أو التعبير عن القلق الإنساني، ليلامس التوصيف القانوني الأشد خطورة حيث رأى غوتيريش أن هناك "خطأ جوهرياً في طريقة تنفيذ هذه العملية (العسكرية)"، مشيراً إلى "تجاهل تام فيما يتعلق بإعدام المدنيين وتدمير غزة". هذا التوصيف يعكس أن المشكلة ليست في أخطاء فردية، بل في المنهجية المتبعة في الحرب، وهي نقطة أساسية في تحديد مسؤولية القيادة.
كما أن استخدام عبارة "أسباب قوية للاعتقاد" يفتح الباب أمام لجان التحقيق الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة العدل الدولية وهو يؤكد أن الأدلة المتوفرة أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، والدمار الشامل كافية لتبرير الاشتباه الجدي بانتهاك اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي.
يأتي التصريح في وقت تجاهلت فيه إسرائيل نداءات دولية متكررة، وحتى أوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة الجماعية المحتملة، ما يبرز ضرورة موقف دولي أكثر حزماً.
مأساة غزة
إن خلفية تصريح غوتيريش هي الواقع المأساوي الذي لا يمكن إنكاره في غزة فمنذ 7 أكتوبر 2023، يرتكب الاحتلال إبادة جماعية شملت القتل، والتدمير الممنهج لمقومات الحياة، والتهجير القسري، ما أدى إلى محو معظم مدن القطاع.
وأكد غوتيريش نفسه وجود تعاون ممتاز في مجال المساعدات الإنسانية وهو اعتراف غير مباشر بالدور الأمريكي في تحسين الوصول، لكنه يشير إلى تقرير سابق لمرصد عالمي للجوع أفاد بانتشار المجاعة في غزة، والتي أزهقت أرواح كثيرين، معظمهم أطفال. هذا يؤكد استخدام التجويع كسلاح حرب، وهو انتهاك خطير للقانون الدولي الإنسانيو تجاوزت حصيلة الضحايا 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، بالإضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ما يعكس حجم الاستهداف المدني المفرط الذي يتحدث عنه الأمين العام.
التوازن الدبلوماسي
حافظ غوتيريش، خلال المقابلة، على توازن دقيق في التعامل مع الولايات المتحدة، التي تعتبر الداعم الرئيسي لإسرائيل حيث أشاد غوتيريش بـ الولايات المتحدة لدورها الفعال في تحسين وصول المساعدات إلى غزة، معبراً عن أمله في استمرار وتطور هذا التعاون. هذه الإشادة تهدف على الأرجح إلى الحفاظ على قناة التواصل والتعاون الإنساني مفتوحة، بمعزل عن الخلافات السياسية حول طبيعة الحرب.
وأكد غوتيريش أنه ليس مهتماً بـ "أي جدال مع الإدارة الأمريكية"، بل مهتم بـ "الحفاظ على قيم الأمم المتحدة" وعلى "القانون الدولي". هذا الموقف يرسخ مبدأ أن المنظمة الدولية يجب أن تظل المدافع عن القيم العالمية، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح القوى الكبرى.
وأشار التقرير ضمناً إلى أن الإبادة تتم "بدعم أميركي أوروبي" وفي هذا السياق، فإن تصريح غوتيريش يمثل تحدياً ليس فقط لإسرائيل، بل أيضاً للجهات التي توفر لها الغطاء السياسي واللوجستي.
متى يُحترم القانون الدولي؟
تضع تصريحات غوتيريش الكرة في ملعب الهيئات القانونية الدولية والمجتمع الدولي فبعد الأوامر الصادرة من محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة، فإن تصريح الأمين العام يزيد من الضغط الأخلاقي والسياسي لضمان تنفيذ هذه الأوامر وإجراء تحقيقات مستقلة حول طبيعة العمليات العسكرية كما يبقى التحدي الأكبر هو كيفية ترجمة هذا التصريح إلى إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين، وإعادة الإعمار، ووقف شامل لإطلاق النار.
و يعكس طلب غوتيريش عدم التشكيك في قيم الأمم المتحدة هدفه الأسمى: "بناء عالم أكثر عدلاً يحظى فيه القانون الدولي بالاحترام". وهو ما يتطلب موقفاً دولياً موحداً لوقف الحرب وتقديم مرتكبي الانتهاكات للمحاسبة.








