20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"هل سنبقى حتى 2040؟".. باحثون ودراسات إسرائيلية: 4 أزمات بنيوية تجيب عن السؤال المصيري

في يونيو الماضي، أطلق الصحفي الإسرائيلي ورئيس تحرير صحيفة هآرتس، ألوف بن، صيحة تحذير حول مستقبل وبقاء الكيان الصهيوني، في مقال حمل عنوانا صادما: "هل يمكن لإسرائيل أن تبقى قائمة عام 2040؟".

بقلم: عبدالرحمن كمال
٦ ديسمبر ٢٠٢٥
11 دقائق قراءة
8 مشاهدة
زوال إسرائيل

زوال إسرائيل

في يونيو الماضي، أطلق الصحفي الإسرائيلي ورئيس تحرير صحيفة هآرتس، ألوف بن، صيحة تحذير حول مستقبل وبقاء الكيان الصهيوني، في مقال حمل عنوانا صادما: "هل يمكن لإسرائيل أن تبقى قائمة عام 2040؟".

الكاتب الإسرائيلي الشهير استهل مقاله باستحضار تاريخي لنبوءة مماثلة عن انهيار الاتحاد السوفيتي. كان المعارض السوفيتي أندريه أمالريك مؤرخًا شابًا في جامعة موسكو عندما نشر كتابه المثير للجدل عام ١٩٧٠: "هل سيبقى الاتحاد السوفيتي قائمًا عام ١٩٨٤؟". بدت نبوءته مثالية، لكن أمالريك تنبأ بدقة بسقوط الإمبراطورية الحمراء، ولم يُخطئ في توقيته إلا بسبع سنوات، وهو التوقيت الذي اختاره تكريمًا لجورج أورويل. لم يعش ليشهد تحقق رؤيته: فبعد سجنه في معسكرات العمل القسري (غولاغ) ونفيه من وطنه، قُتل في حادث سيارة في إسبانيا.

يطرح "بن" سؤالًا صادمًا: هل يمكن أن يكون المرشد الإيراني علي خامنئي قد أصاب عندما قال إن إسرائيل لن تبقى موجودة بعد عام 2040؟ ليس بفعل حرب شاملة أو تدمير نووي، بل بسبب الانهيار الداخلي. فالاتحاد السوفيتي لم يُهزم بقوة السلاح، بل سقط بفعل التفكك الذاتي، وهي عملية لا يمكن لأي "منظومة دفاع متعددة الطبقات" أن توقفها.

ألوف بن ليس الوحيد الذي يخشى المستقبل. إذ تشير التحليلات الإسرائيلية الواردة في صحف مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت وذا ماركر، إضافة إلى مراكز بحث كـ معهد إسرائيل للديمقراطية (IDI) ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومركز تاوب ومؤسسة شوريش، إلى أن إسرائيل تواجه منذ سنوات سلسلة من الأزمات المتشابكة التي أخذت بعدًا بنيويًا وجوديًا. ويؤكد كتّاب هذه المؤسسات أنّ أزمة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ثم ما حصل في طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها على غزة، كشفت هشاشة البنية الأمنية والاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل، على نحو غير مسبوق.

وتشير هذه القراءات، التي تحاول إسرائيل تقديمها داخل خطاب ذاتي نقدي، إلى أن الأزمات لم تعد مؤقتة أو قابلة للاحتواء، بل تحوّلت إلى تهديد شامل لقدرة الدولة على الاستمرار كمنظومة سياسية واجتماعية "طبيعية". وتتناول هذه القراءات في الغالب أربع دوائر أساسية للأزمات الإسرائيلية: الأزمة الوجودية، والأزمة الاقتصادية البنيوية، والأزمة الاجتماعية والديموغرافية، والأزمة السياسية والديمقراطية.

الأزمة الوجودية: الأمن والروح المعنوية

تسود داخل إسرائيل قناعة متزايدة بأن الضربة التي تعرّضت لها المؤسسة الأمنية في السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب ممتدة حتى 2025، قد خلخلت النظرة التقليدية إلى "الأمن القومي". وتبرز التحليلات، رغم انحيازها البنيوي، الانهيار النفسي داخل المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات من الحرب والقصف، وما كشفته العمليات العسكرية في غزة من عجز الدولة عن حماية سكانها أو توفير سردية متماسكة حول سبل إنهاء الحرب.

ويؤكد محللون، مثل إينبال كوهين توفال من "ذا ماركر"، أن "أمن الدولة لا يُقاس بقدرات الجيش أو جودة الاستخبارات فحسب، بل أيضًا بقدرتنا على حماية أرواح العائدين من المعركة".

انهيار ثقة الأمن

تبيّن استطلاعات معهد الأمن القومي لعام 2025، وتحديدا استطلاع شهر نوفمبر الماضي، أن الثقة الشعبية في الأمن القومي وصلت إلى أدنى مستوياتها. فقط 29% من الإسرائيليين يعتبرون الوضع الأمني "جيدًا"، بينما وصفه 27% بأنه "سيّئ جدًا". وترى غالبية الاستطلاع (63%) أن الأهداف التي أعلنها بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب لم تتحقق، وهو ما أدى إلى انهيار الثقة بالحكومة بالنسبة لثلثي المجتمع تقريبًا.

وتشير القراءات الإسرائيلية نفسها إلى أن ملف الأسرى المحتجزين في غزة بقي جرحًا مفتوحًا، حيث تجاوز العدد أكثر من 100 شخص حتى 2025، ما أدى إلى موجة واسعة من القلق والاحتجاجات والانقسام الداخلي، فضلًا عن حالة "حداد جماعي" يصفه محللون نفسيون بأنه تحول إلى أزمة وطنية.

تفكك الجبهة النفسية

تكشف التقارير الإسرائيلية عن أزمة نفسية واسعة داخل المجتمع، مع تسجيل ارتفاع حاد في محاولات الانتحار بين الجنود. فقد انتحر 124 جنديًا بين 2017 ويوليو 2025، بينما سُجِّلت 279 محاولة أخرى منذ مطلع 2024 فقط، وهو ما تعتبره الصحافة العبرية مؤشرًا على "أعمق أزمة نفسية في تاريخ الجيش".

أما تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي الصادر في فبراير 2025، فيكشف انهيار منظومة الصحة النفسية:

– 34% يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بدرجات متوسطة إلى حادة.
– 32% يعانون من الاكتئاب.
– 21% يعانون من القلق.
– نحو 900 ألف شخص بحاجة إلى علاج نفسي عاجل، لكن 0.6% فقط تلقوا العلاج خلال ستة أشهر.

كما تشير تقارير يديعوت أحرونوت إلى أنّ 52% من ناجي مهرجان "نوفا" لم يحصلوا على أي نوع من الرعاية النفسية، بينما 98% لم يستكملوا عدد الجلسات العلاجية المفترضة.

ويرى تقرير INSS الاستراتيجي لعام 2026/2025 أن هذا الانهيار النفسي ـ الاجتماعي بات "تهديدًا مباشرًا لأسس الأمن القومي"، خصوصًا مع اتساع الانقسامات الداخلية وتآكل الثقة بالمؤسسات.

الأزمة البنيوية الاقتصادية

تتفق مراكز البحث الاقتصادية الإسرائيلية على أن الحرب على غزة، وما رافقها من أزمة سياسية داخلية منذ 2023، دفعت الاقتصاد إلى مرحلة ركود بنيوي. وتُرجع هذه المؤسسات مشاكل الاقتصاد إلى أسباب مزمنة مثل الاعتماد المفرط على قطاع التكنولوجيا العالية، وانخفاض الإنتاجية، واتساع الفجوات الاقتصادية، إضافة إلى الكلفة الباهظة للحرب التي تتحملها الخزينة.

تراجع النمو واتساع العجز

يكشف مركز تاوب أن كلفة الحرب بلغت ما بين 250 و350 مليار شيكل، أي ما يعادل 13% من الناتج المحلي. وتراوح معدل النمو عام 2024 ما بين 0.7% و3.5%، بينما وصل العجز إلى 8.4%. 

أوقفت الحرب النمو (الناتج المحلي الإجمالي -4.1٪ في الربع الأخير من عام 2023)، مع انخفاض في الاستهلاك الخاص (7.8٪)، والاستثمار (21٪)، والتوظيف في قطاعات مثل البناء والضيافة. قفز معدل البطالة على نطاق واسع إلى 24.1٪ في أكتوبر 2023، وانخفض إلى 3٪ في عام 2024، لكن غياب جنود الاحتياط (4٪ في المتوسط، و10٪ في التكنولوجيا الفائقة) تسبب في خسائر قدرها 513000 عامل. ارتفعت الأجور الحقيقية بنسبة 3٪ -4٪، لكن ساعات العمل انخفضت بنسبة 1٪ -7٪. 

يشير تقرير معهد الديمقراطية الإسرائيلي (مايو 2024) إلى أنه عشية الحرب، كان الاقتصاد قويًا (نمو بنسبة 8.5٪ في عام 2021)، لكن انقلابًا قانونيًا (2023) تسبب في انخفاض قيمة الشيكل وانخفاض الاستثمار؛ أضافت الحرب عجزًا بنسبة 5.2٪ -8.4٪ ودينًا بنسبة 64.5٪ -68.9٪.

اعتماد خطير على التكنولوجيا

تعتمد إسرائيل على قطاع التكنولوجيا العالية الذي يمثل أكثر من 40% من النمو، بينما تعاني قطاعات البناء والزراعة من نقص حاد في العمالة بعد توقف دخول العمال الفلسطينيين (81 ألفًا في البناء و41 ألفًا في الزراعة). وتُحذّر تقارير موديز ودان آند برادستريت من احتمالات دخول الاقتصاد الإسرائيلي في ركود طويل إذا استمرت الحرب، خصوصًا في ظل هشاشة قطاع العقارات عالميًا.

وتوصي تقارير بنك إسرائيل بإجراء إصلاحات ضريبية ورفع موارد الدولة، وتوجيه ميزانيات طويلة الأجل لإعادة الإعمار.

الأزمة الاجتماعية والديموغرافية

تشهد إسرائيل تصاعدًا في التفاوت الاقتصادي، واتساع الفجوة بين المركز والأطراف، إلى جانب تغيّرات ديموغرافية تثير مخاوف مراكز الأبحاث من "عدم قدرة الدولة على الاستمرار بشكلها الحالي". وترى هذه المؤسسات أن تفاقم الفقر وتصاعد نفوذ الجماعات الدينية المتشددة يُعدّان تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

اتساع الفقر وعدم المساواة

تشير تقارير مركز تاوب إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى 20.7%، وإلى أنّ مؤشر جيني لقياس عدم المساواة بلغ 0.369، وهو من أعلى المعدلات في دول منظمة التعاون الاقتصادي. كما أظهرت البيانات أن 47% من المواطنين العرب داخل الخط الأخضر فقدوا جزءًا من دخلهم بعد الحرب، مقارنة بـ31% من اليهود.

أما السكان الذين جرى إجلاؤهم من مناطق الحدود الشمالية والجنوبية – ويبلغ عددهم 143 ألفًا – فتعرضوا لانهيار كبير في الدخل، إذ يتراوح دخل الأسر في الجنوب ما بين 6 و8 آلاف شيكل فقط، بينما واجهت معظمها بطالة مؤقتة أو دائمة.

التغيّرات الديموغرافية المقلقة

تحذر مؤسسة شوريش في تقريرها لعام 2025 من أن النمو السريع في أعداد الحريديم، مقترنًا بتراجع الخصوبة لدى بقية المجموعات، يهدد قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة. وترى المؤسسة أن هذه التحولات قد تؤدي إلى "تهديد وجودي" للنموذج الاقتصادي الإسرائيلي، وتوصي بإصلاح جذري في التعليم والموازنة والحكم.

وفي القطاع التعليمي، تشير الأرقام إلى ارتفاع معدلات تغيّب المعلمين، وازدياد نسب التسرب، وتراجع نتائج الاختبارات الوطنية (ميتساف) بمعدل –0.25. كما يعاني النظام الصحي من نقص حاد في الأطباء (3.47 لكل ألف نسمة) والممرضات (5.04)، إلى جانب ارتفاع نسب المرض بين العاملين الصحيين (64%).

الأزمة السياسية والديمقراطية

تشهد إسرائيل تراجعًا حادًا في مؤشرات الديمقراطية وحرية الصحافة، وهو ما انعكس في تقارير دولية وضعت إسرائيل في موقع متأخر عالميًا. ويرى محللون قانونيون وسياسيون أن السياسات الحكومية الحالية تميل نحو "السلوك السلطوي"، وتضعف استقلال القضاء والإعلام.

تدهور الديمقراطية وتفكك المؤسسات

تراجع ترتيب إسرائيل إلى المرتبة 112 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة عام 2025، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية. وحذّر رئيس المحكمة العليا الأسبق، البروفيسور أهارون باراك، من أن "الديمقراطية الإسرائيلية على حافة الانهيار"، بسبب محاولات الحكومة السيطرة على الجهاز القضائي وإضعاف الفصل بين السلطات.

ويكشف معهد إسرائيل للديمقراطية عن خطوات حكومية تهدف إلى إحكام السيطرة على المؤسسات العامة، من خلال عزل كبار المسؤولين، بمن فيهم المستشارة القانونية للحكومة ورئيس جهاز الشاباك. أما البروفيسور ستيفن ليفيتسكي، أحد أبرز المتخصصين عالميًا في انهيار الديمقراطيات، فيعتبر – بحسب مقابلة مع هآرتس – أن إسرائيل تتجه بسرعة نحو نموذج "السلطوية التنافسية".

وتُظهر استطلاعات IDI أن 44% من الإسرائيليين يرون أن الإدارة الأمريكية الحالية منحازة أكثر إلى غزة، وهو ما يعكس تراجع الثقة بالحليف الأمريكي نتيجة الخلافات حول مجريات الحرب.

قيادة تعيش في عالم آخر

نعود مجددا إلى مقال "ألوف بن"، حيث اتهم الكاتب القيادة الإسرائيلية -وعلى رأسها بنيامين نتنياهو- بأنها منفصلة تمامًا عن الواقع. فبدلًا من مواجهة نتائج الفشل في 7 أكتوبر، يركّز نتنياهو على ترويج نظريات مؤامرة تتهم المحتجّين ضد الانقلاب القضائي بالخيانة، في محاولة لتبرئة نفسه وتوجيه الغضب نحو خصومه.

ويضيف الكاتب أن نتنياهو، حتى لو أقال جميع المسؤولين ودمر غزة بالكامل وتمسّك بالسلطة، سيُذكر في التاريخ باعتباره الرجل الذي قاد إسرائيل إلى حافة الانهيار، بينما يُنظر إليه عالميًا باعتباره "سفّاحًا غارقًا في هذيان مسيحاني". ويعتبر أنّ عبادة الشخصية المحيطة به أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة، بل أصبحت تؤدي إلى عزله عن الواقع وإلى تضخيم مخاوفه.

كما يرى المقال أنّ الطبقة السياسية اليوم تُعمّق الانقسام الداخلي بدلًا من السعي إلى إصلاح الخراب الذي خلّفته الحرب والانقلاب القضائي. ويقول إن نتنياهو لا يريد ولا يستطيع تقديم أي إصلاح حقيقي. فمذكراته التي نشرها قبل الحرب بعام، وامتلأت بالتمجيد الذاتي، تظهر اليوم — بحسب الكاتب — كـ"600 صفحة من اللاشيء"، بلا رؤية أو مشروع للمستقبل سوى المزيد من الدمار.

أزمة وجودية فعلية

تشير القراءة الإسرائيلية الداخلية، رغم غياب أي اعتراف بدور الاحتلال في صناعة هذه الأزمات، إلى أن إسرائيل تواجه اليوم سلسلة من التصدعات العميقة التي تلامس جوهر وجودها: أزمة نفسية، وأزمة اقتصادية، وأزمة اجتماعية، وأزمة سياسية. وتؤكد مراكز البحث أن استمرار غياب الإصلاحات سيقود إلى "إضعاف الكيان من الداخل"، في حين أن تنفيذ إصلاحات شاملة قد يحدّ من احتمالات الانهيار.

وتوضح هذه التقارير، رغم محاولتها نزع المسؤولية عن الاحتلال، أن الحرب الممتدة على غزة منذ أكتوبر 2023 لم تفشل فقط في تحقيق الأهداف الإسرائيلية، بل كشفت هشاشة داخلية هيكلية، تُظهر إسرائيل كمجتمع يواجه أزمة وجودية فعلية. 
 

عبدالرحمن كمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

"هل سنبقى حتى 2040؟".. باحثون ودراسات إسرائيلية: 4 أزمات بنيوية تجيب عن السؤال المصيري - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°