شهدت مسقط قمة لبنانية–عمانية جمعت الرئيس اللبناني جوزاف عون وسلطان عُمان هيثم بن طارق، في زيارة رسمية تستمر يومين. الزيارة، التي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لم تقتصر على تعزيز التعاون الاقتصادي، بل حملت أبعادًا عسكرية ودبلوماسية مرتبطة بتصاعد التوتر على الجبهة الجنوبية اللبنانية، ما منحها ثقلاً يتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد.
قمة مسقط..توافق على شراكات واسعة وفتح آفاق اقتصادية جديدة
أعلنت الرئاسة اللبنانية، في بيان نُشر على موقعها الرسمي، أن القمة شهدت توافقًا واضحًا على فتح آفاق جديدة للتعاون والشراكة والاستثمار في قطاعات التجارة والصناعة والزراعة والسياحة. ويبدو أن الطرفين وضعا إطارًا عمليًا لتعميق الحضور الاقتصادي العُماني في السوق اللبنانية، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة مالية خانقة تتطلب شركاء موثوقين.
وأكد الرئيس اللبناني أن الزيارة ستفسح المجال أمام تعزيز التعاون الثنائي على المستويات الاقتصادية والتجارية والثقافية والتعليمية، مشيرًا إلى تطلع اللبنانيين إلى آفاق جديدة مع السلطنة بما يمكن أن يدعم مسار التعافي الاقتصادي.
نقاشات موسّعة حول الوضع في الجنوب
لم تغب التطورات الأمنية عن قمة مسقط. فقد ناقش الجانبان، وفق بيان الرئاسة اللبنانية، المستجدات الإقليمية، وعلى رأسها الوضع المتوتر في الجنوب اللبناني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة في ظل التدهور الحاصل منذ خرق إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر2024، وهو الاتفاق الذي أنهى حربًا شاملة بدأت في أكتوبر2023 وتسببت في ارتقاء أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة نحو 17 ألف.
الحضور العسكري–الدبلوماسي في القمة يعكس إدراك الطرفين لخطورة التصعيد، خصوصًا أن عُمان تُعد أحد أبرز الوسطاء الهادئين في المنطقة، ما يجعل أي حوار حول الجنوب اللبناني جزءًا من جهد إقليمي أوسع لتثبيت التهدئة ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب جديدة.
اهتمام عُماني متزايد بالملف اللبناني ودعم للاستقرار
أعرب السلطان هيثم بن طارق خلال اللقاء عن اهتمام السلطنة بالوضع اللبناني ومتابعتها الدقيقة لتطورات الساحة السياسية والأمنية. وأكد على عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وضرورة تعزيز التنسيق والتعاون الثنائي، بما يشمل الملفات الأمنية والسياسية التي تفرضها ظروف المنطقة.
ويمثل هذا الاهتمام إشارة إلى رغبة عُمان في لعب دور توافقي يخدم استقرار لبنان، خاصة في ظل غياب التوافق العربي والدولي حول مستقبل الوضع الأمني على الحدود الجنوبية.
تحريك اللجنة المشتركة وتوسيع إطار التفاهمات
ووفق وكالة الأنباء اللبنانية، اتفق الطرفان على عقد اجتماع للجنة العمانية–اللبنانية المشتركة برئاسة وزيري الخارجية في مسقط، تمهيدًا لتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة تعزّز التعاون بينهما. وتشير هذه الخطوة إلى إرادة سياسية مشتركة لتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع فعلية على الأرض.
كما أكدت وكالة الأنباء العُمانية أن اللقاء في مسقط بحث فرص الاستثمار والشراكة، مع التركيز على القطاعات الإنتاجية الرئيسية التي يمكن أن تشكل رافعة للاقتصاد اللبناني في المرحلة المقبلة.
مسارات الأمن والاستقرار في صلب المشاورات الإقليمية
إلى جانب الملفات الثنائية، ناقش الجانبان المستجدات السياسية في المنطقة وسبل دعم مسارات الأمن والاستقرار، بحسب الوكالة العُمانية. ويُفهم من ذلك أن القمة تطرقت إلى التوترات المتعددة في الإقليم، من جنوب لبنان إلى غزة واليمن، في إطار رؤى مشتركة تدعو لخفض التصعيد وتفعيل الدبلوماسية.
وتزامنت زيارة مسقط مع استقبال رسمي كبير، إذ كان السلطان هيثم بن طارق على رأس المستقبلين للرئيس اللبناني لدى وصوله مطار مسقط الدولي، ما يعكس رمزية الزيارة وعمق العلاقات التاريخية بين البلدين.
زيارة تتجاوز الاقتصاد إلى هندسة توازنات إقليمية
رغم الطابع الاقتصادي الواسع للقمة، فإن حضور الملفات العسكرية والدبلوماسية أعطاها وزنًا مضاعفًا. فالتعاون الاقتصادي يندفع بالتوازي مع حوار سياسي–أمني يعكس المخاوف المشتركة من التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.
وبين شراكات جديدة ومساعٍ دبلوماسية، تبدو زيارة الرئيس اللبناني إلى عُمان جزءًا من تحرك أوسع لحشد دعم عربي يعزز استقرار لبنان ويمنحه متنفسًا سياسيًا واقتصاديًا في إحدى أدق مراحل تاريخه المعاصر.








