20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان على حافة "عملية واسعة".. تحليل خلفيات الرسائل العربية والدولية

المشهد اللبناني تحت ضغط التحذيرات الصامتة

بقلم: محمد خميس
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
لبنان

لبنان

يمر المشهد السياسي والأمني في لبنان بمرحلة هي الأكثر دقة وتعقيداً منذ سنوات، حيث تتزايد التحذيرات، المعلنة والمبطنة، من اندلاع عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق قد تمتد إلى عمق الأراضي اللبنانية. 

ورغم غياب التصريحات الرسمية الصريحة من بعض العواصم الكبرى، تكشف التسريبات والزيارات المكوكية للمبعوثين الدوليين، وتحركات الدبلوماسية العربية، عن وجود تحذيرات "غير معلنة" تُنقل سراً إلى القيادات اللبنانية، محذرة من تداعيات توسع الصراع الجاري على الحدود الجنوبية.

 هذه التحذيرات، التي تمثل ضغطاً هائلاً على بيروت، لا تقف عند حدود الدعوات لضبط النفس، بل تحمل خلفيات استراتيجية وسياسية عميقة تؤثر مباشرة على مستقبل البلاد.

خلفيات التحذيرات الدولية – "درء خطر الانفجار الإقليمي"

تنبع التحذيرات الدولية، التي تأتي بالأساس من واشنطن وباريس ولندن، من ثلاثة محاور رئيسية، جميعها تركز على منع تحول المواجهات الحالية إلى حرب إقليمية واسعة تهدد استقرار المنطقة بأكملها:

وتدرك القوى الدولية أن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في لبنان قد تؤدي إلى فتح جبهة شاملة، لا يمكن التنبؤ بحدودها، وتوريط قوى، هذا الانزلاق يهدد أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة، ويشغل الإدارة الأمريكية عن أولوياتها الاستراتيجية الأخرى. لذا، تعمل الدبلوماسية الغربية بجد لنقل رسائل واضحة حول "الخطوط الحمراء" التي يجب على الطرفين عدم تجاوزها.

تطبيق القرار 1701 تحت التهديد: تُركز التحذيرات الدولية على ضرورة العودة إلى قواعد الاشتباك التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 1701 (الصادر في 2006)، والذي يفرض سحب التواجد العسكري غير الشرعي إلى ما وراء نهر الليطاني. 

ورغم أن إسرائيل نفسها لم تلتزم بالقرار بشكل كامل، إلا أن الضغط الآن موجه بشكل رئيسي إلى الجانب اللبناني و"حزب الله" لوقف العمليات عبر الحدود، لتجنب الذريعة الإسرائيلية لشن العملية.

مخاوف اللاجئين والأمن الأوروبي: يتخوف الاتحاد الأوروبي بشكل خاص من أن تؤدي الحرب الواسعة إلى موجة نزوح جماعية هائلة من لبنان إلى أوروبا، ما يزيد من تعقيدات أزمة الهجرة. هذه المخاوف تدفع القوى الأوروبية، خاصة فرنسا، للعب دور الوسيط النشط جداً، وتقديم الضمانات السياسية مقابل التهدئة.

التحذيرات العربية – "حماية ما تبقى من الدولة اللبنانية"

تأخذ التحذيرات الصادرة عن العواصم العربية المحورية مثل الرياض والقاهرة وعواصم خليجية أخرى منحى مختلفاً، يمزج بين القلق الأمني والضغط السياسي على الطبقة الحاكمة في لبنان:

تخوف من التفكك الكامل: تخشى الدول العربية الداعمة تاريخياً للبنان من أن تؤدي الحرب الواسعة إلى تدمير البنية التحتية المتهالكة أساساً وإضعاف مؤسسات الدولة المنهارة مالياً، ما يفتح الباب أمام تفكك الدولة اللبنانية أو سيطرة "قوى الأمر الواقع" عليها بالكامل، ما يهدد التوازن الإقليمي.

وتنقل العواصم العربية رسائل سياسية قوية للحكومة اللبنانية بضرورة "فك الارتباط" بين القرار اللبناني الداخلي وبين الأجندات الإقليمية (المحور الإيراني تحديداً). هذه الرسائل مصحوبة بتحذيرات مبطنة من تعليق أي دعم مالي أو إعادة إعمار للبنان ما لم يتم السيطرة على القرار الأمني ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ترى الدول العربية أن تدهور الوضع الأمني سيعطل أي مساعٍ إصلاحية متبقية، ويمنع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة فاعلة، ما يطيل أمد الشلل السياسي الذي يخدم في النهاية الأطراف التي تسعى لعرقلة الدولة.

 تداعيات التحذيرات على المشهد السياسي والأمني اللبناني

الرسائل الدولية والعربية، سواء المعلنة أو غير المعلنة، خلقت حالة من الشلل الممزوج بالخوف داخل الأوساط السياسية والأمنية اللبنانية:

وتزيد التحذيرات من تعقيد عملية اتخاذ القرار. فالأطراف المحلية منقسمة بين من يرى ضرورة "الاستجابة للضغط الدولي" لتجنب الحرب، وبين من يعتبر هذه التحذيرات جزءاً من "المناورات السياسية" التي لا يجب الاستسلام لها. هذا الانقسام يعمق الفراغ الرئاسي ويجعل تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية أمراً بعيد المنال.

ويترجم الخوف من الحرب إلى ضغط شعبي واقتصادي متزايد. فالحياة الاقتصادية في الجنوب متوقفة تماماً، وقطاعات حيوية أخرى مهددة. الإعلام اللبناني، بشكل مباشر أو غير مباشر، يعكس هذا القلق، ما يدفع الأطراف السياسية إلى محاولة إظهار "الجدية" في التعامل مع التهديد الخارجي.

وتستخدم إسرائيل التحذيرات الدولية لتعزيز موقفها. فبينما تُبقي على خيار العملية العسكرية الواسعة "مطروحاً على الطاولة"، فإنها تسمح للدبلوماسية الغربية والعربية بنقل رسائل التهديد بدلاً منها. هذا "الغموض المتعمد" هو أداة ضغط فعالة تهدف إلى إجبار لبنان على قبول شروط إسرائيلية دون الحاجة لشن حرب مكلفة.

 البحث عن مخرج بين الضمانات والتهديدات

يجد لبنان نفسه محاصراً بين نار التهديد الإسرائيلي المستمر وبين ضغوط عربية ودولية غير مسبوقة تهدف إلى منع الانفجار. التحذيرات "غير المعلنة" كشفت عن إجماع دولي وإقليمي على أن الوضع الراهن غير مستدام، وأن الاستمرار في المناوشات الحدودية سيرفع حتماً من مستوى التصعيد.

إن المادة التحليلية تشير إلى أن الفترة القادمة ستشهد المزيد من الجولات الدبلوماسية المكثفة. لن تتوقف التحذيرات ما لم يتم التوصل إلى صيغة "ضمانات متبادلة" تضمن لإسرائيل سحب القوات من الحدود الشمالية ولبنان أمن مواطنيها. وعلى القادة اللبنانيين إدراك أن هذه التحذيرات ليست مجرد "دعاية"، بل انعكاس لحقيقة دولية وإقليمية ترفض تحويل لبنان إلى ساحة حرب واسعة النطاق، وأن عدم الاستجابة قد يدفع البلاد إلى مصير مظلم يصعب التعافي منه.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال