4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

هل توظّف إسرائيل هجوم سيدني للهروب من ضغط غزة؟

غزة في الخلفية… ومحاولة لصرف الأنظار

بقلم: محمد خميس
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
8 مشاهدة
هجوم سيدني

هجوم سيدني

أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف الجالية اليهودية في مدينة سيدني الأسترالية، صباح اليوم الأحد، فتح نقاش سياسي وإعلامي واسع حول توظيف الأحداث الأمنية خارج فلسطين في خدمة الرواية الإسرائيلية، لا سيما في ظل العدوان المستمر على قطاع غزة وما خلّفه من عزلة سياسية وأخلاقية متزايدة لحكومة الاحتلال على الساحة الدولية.

الهجوم، الذي وقع بالتزامن مع أول أيام عيد “الحانوكا”، لم يُقرأ فقط كحادثة أمنية معزولة داخل أستراليا، بل سرعان ما تحوّل إلى أداة في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، الذي سارع إلى ربطه بما يصفه بـ«تصاعد معاداة السامية عالميًا»، في محاولة لتقديم إسرائيل مجددًا في صورة “الضحية”، رغم الانتقادات الدولية المتزايدة لسلوكها العسكري في غزة.

إعلام إسرائيلي سريع الاستنفار

منذ الساعات الأولى للهجوم، كثّفت وسائل الإعلام الإسرائيلية تغطيتها للحادثة، مبرزةً استهداف الجالية اليهودية باعتباره امتدادًا لما تسميه “الكراهية الممنهجة ضد اليهود حول العالم”، ومستخدمةً الحادثة لتعزيز سردية التهديد الوجودي الدائم الذي تقول إن اليهود يواجهونه، سواء داخل إسرائيل أو خارجها.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تواجه حكومة الاحتلال ضغطًا دوليًا غير مسبوق على خلفية الجرائم المرتكبة في غزة، من قتل المدنيين، واستهداف البنية التحتية، والحصار الإنساني الخانق، وهو ما جعل أي حدث أمني يمكن استثماره إعلاميًا فرصة لإعادة توجيه بوصلة الرأي العام.

غزة في الخلفية… ومحاولة لصرف الأنظار

يؤكد محللون أن تضخيم أحداث أمنية خارج فلسطين وربطها مباشرة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بات نهجًا متكررًا في السياسة الإعلامية الإسرائيلية، خاصة في فترات التصعيد العسكري. فبدل التركيز على صور الدمار والضحايا في غزة، يجري تسويق إسرائيل كدولة مهددة، تتعرض مجتمعاتها في الخارج لهجمات “كراهية”.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا الأسلوب يسعى إلى خلط متعمّد بين انتقاد سياسات الاحتلال ومعاداة السامية، بما يسمح لإسرائيل بإسكات الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين، وشيطنة الحراك الشعبي والحقوقي الداعم لغزة في الغرب.

تشكيك واسع وروايات متداولة على مواقع التواصل

في المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة تشكيك واسعة في خلفيات الهجوم، حيث تداول نشطاء روايات تعتبر أن الحادثة قد تكون «مدبّرة أو مفتعلة» بهدف استدرار تعاطف الرأي العام العالمي، بعد الفشل الإسرائيلي في تبرير حجم الدمار والضحايا المدنيين في غزة.

وذهب بعض المستخدمين إلى اتهام أجهزة إسرائيلية أو أطراف مرتبطة بها بالوقوف خلف الهجوم، مستندين إلى ما وصفوه بـ«سوابق تاريخية» للحركة الصهيونية في التضحية بيهود عندما تقتضي المصلحة السياسية أو العسكرية ذلك.

وتكررت الإشارة في هذا السياق إلى حادثة تفجير فندق الملك داود في القدس عام 1946، التي نفذتها منظمات صهيونية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى، بينهم يهود، كمثال يُستحضر لتغذية هذه الشكوك، رغم عدم وجود أي أدلة رسمية تربط بين تلك الوقائع والهجوم الحالي في سيدني.

بين الرواية الرسمية والشكوك الشعبية

ويرى متابعون أن انتشار هذه الروايات، بصرف النظر عن دقتها، يعكس حالة فقدان ثقة متزايدة بالرواية الإسرائيلية الرسمية، نتيجة التناقضات المتكررة في خطابها خلال الحرب على غزة، واستخدامها المفرط لمصطلحات إنسانية وأخلاقية تتعارض مع الوقائع الميدانية.

كما يعكس هذا التشكيك اتساع الفجوة بين الخطاب الإعلامي الغربي التقليدي، الذي غالبًا ما يتبنى السردية الإسرائيلية، وبين الرأي العام الشعبي الذي بات أكثر اطلاعًا على ما يجري في فلسطين بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق الصور والمقاطع من داخل غزة.

تفاصيل الهجوم في سيدني

وبحسب المعطيات الأولية، شهدت أستراليا صباح اليوم الأحد هجومًا مسلحًا استهدف الجالية اليهودية قرب شاطئ “بوندي” الشهير في مدينة سيدني، أسفر عن مقتل 12 شخصًا، إضافة إلى عدد من الجرحى، نُقل 13 منهم على الأقل إلى المستشفيات لتلقي العلاج.

وأكدت السلطات الأسترالية مقتل أحد منفذي الهجوم خلال العملية الأمنية، واعتقال شخصين آخرين يُشتبه بصلتهما بالحادث، مشيرةً إلى أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الدوافع الحقيقية وخلفيات الهجوم.

كما أفادت التقارير بسقوط شخصيات بارزة بين الضحايا، من بينهم مبعوث حركة «حباد» الحاخام إيلي شلنگر، إضافة إلى إصابة رئيس المجلس اليهودي الأسترالي أرسين أوستروفسكي بجروح في الرأس، وُصفت حالته على إثرها بالمستقرة.

أستراليا بين الأمن والضغط السياسي

الهجوم وضع الحكومة الأسترالية أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في ضمان الأمن الداخلي ومنع استغلال الحادثة لإشعال توترات مجتمعية، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط السياسية والإعلامية الدولية التي تحاول ربط ما جرى مباشرة بالصراع في الشرق الأوسط.

ويرى محللون أن كيفية إدارة التحقيق والرسائل الرسمية الصادرة عن كانبيرا ستكون حاسمة في منع تسييس الحادثة خارجيًا، سواء من قبل إسرائيل أو من أطراف أخرى تسعى لاستثمارها في معارك الرأي العام.

حادثة تتجاوز بعدها الأمني

في المحصلة، لم يعد الهجوم الذي استهدف الجالية اليهودية في سيدني مجرد حادث أمني داخلي، بل تحوّل إلى ساحة صراع سردي وإعلامي، يعكس حجم التداخل بين الأحداث الدولية والحرب الدائرة في غزة.

وبين خطاب إسرائيلي يسعى إلى إعادة إنتاج دور “الضحية”، وتشكيك شعبي متزايد في الدوافع والتوظيف، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة التحقيقات الرسمية، فيما يستمر العدوان على غزة كخلفية مركزية لكل نقاش سياسي وإعلامي مرتبط بإسرائيل في هذه المرحلة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال