تدخل أفغانستان فصل الشتاء وسط واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل تصاعد مؤشرات الجوع وسوء التغذية، وتراجع غير مسبوق في حجم المساعدات الدولية. ويحذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن الوضع “يسوء بسرعة”، في وقت ترتفع فيه الاحتياجات الإنسانية إلى ذروتها مع البرد القارس وشح الموارد.
ووفق تقديرات البرنامج، يواجه أكثر من 17 مليون أفغاني انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بزيادة ثلاثة ملايين شخص مقارنة بالعام الماضي، فيما يعاني قرابة أربعة ملايين طفل من سوء تغذية حاد، بينهم نحو مليون طفل يحتاجون إلى علاج طبي داخل المستشفيات.
أفغانستان: مزيج قاتل من العقوبات والجفاف والزلازل
لا تنفصل الأزمة الغذائية المتفاقمة في أفغانستان عن مجموعة معقّدة من العوامل المتداخلة. فالعقوبات الدولية المفروضة منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021، وتجميد جزء كبير من المساعدات الخارجية، أسهما في شلّ الاقتصاد الأفغاني وتقويض قدرة المؤسسات الإنسانية على العمل.
إلى جانب ذلك، أدّى الجفاف المستمر إلى تدمير المحاصيل ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، بينما دفعت الزلازل المدمّرة في شرق البلاد آلاف العائلات إلى دائرة الفقر المدقع، بعد فقدان منازلها ومصادر رزقها.
عودة قسرية للاجئين تضاعف الضغط على الموارد
تفاقمت الأزمة مع العودة القسرية لأكثر من 2.5 مليون أفغاني من إيران وباكستان خلال العام الجاري، وهو ما وضع ضغطًا هائلًا على موارد شحيحة أصلًا وبنية تحتية شبه منهارة. ويتوقع برنامج الأغذية العالمي عودة أعداد مماثلة خلال عام 2026، ما ينذر بتفاقم الأزمة ما لم يحدث تدخل دولي عاجل.
أفغانستان: تمويل شحيح يهدد بانهيار الاستجابة الإنسانية
يعاني برنامج الأغذية العالمي من نقص حاد في التمويل، إذ لا يمتلك حاليًا سوى 12% من الأموال اللازمة لتنفيذ برامجه داخل أفغانستان. ونتيجة لذلك، بات عاجزًا عن تنفيذ الاستعدادات الشتوية المعتادة، مثل تخزين المواد الغذائية مسبقًا في المناطق الأكثر هشاشة.
ويؤكد مسؤولون في البرنامج أن أفغانستان تحتاج إلى 570 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة فقط، لتقديم مساعدات أساسية لنحو ستة ملايين شخص، محذرين من أن الفشل في تأمين هذا التمويل سيؤدي إلى “أقصى درجات التأثير الكارثي”.
أطفال أفغانستان في قلب المأساة
تدقّ منظمات الإغاثة ناقوس الخطر بشأن الأطفال، إذ تشير بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) إلى أن 36% من أطفال أفغانستان – أي أكثر من تسعة ملايين طفل – سيواجهون مستويات حرجة أو طارئة من الجوع حتى مارس/آذار 2026.
كما ارتفع عدد الأطفال دون سن الخامسة المصابين بسوء تغذية حاد إلى 3.7 مليون طفل، مقارنة بـ3.5 مليون قبل عام واحد، إضافة إلى 1.2 مليون امرأة حامل ومرضعة يحتجن إلى علاج غذائي عاجل.
تقليص الدعم الدولي وإغلاق المرافق الصحية
أدى تراجع التمويل الدولي إلى إغلاق أو تعليق عمل نحو 420 عيادة صحية و300 مركز تغذية في مختلف أنحاء البلاد، وفق تقديرات الأمم المتحدة. ولم تعد المساعدات الغذائية تصل سوى إلى 2.7% فقط من السكان، في وقت تتزايد فيه معدلات البطالة وتتراجع تحويلات المغتربين.
وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت أكبر ممول إنساني لأفغانستان، قلّصت دعمها بشكل حاد هذا العام، فيما لم يلبِّ المجتمع الدولي سوى 28% من احتياجات التمويل الإنساني لعام 2025 حتى سبتمبر/أيلول الماضي.
أفغانستان شهادات من قلب المعاناة
تعكس قصص الأفغان حجم المأساة اليومية. خالد (60 عامًا)، عامل يومي يعيل ثمانية أطفال، لا يتجاوز دخله ثلاثة دولارات في اليوم عند توفر العمل. ويقول إن أسرته باتت تعيش على الخبز والشاي، بعد أن أصبحت أسعار الطحين والزيت خارج متناولهم.
ويؤكد خالد أن الجفاف “دمّر كل شيء”، من الزراعة إلى الثروة الحيوانية، تاركًا العائلات بلا أي مصدر دخل.
العقوبات وتراجع الاهتمام الدولي
تكشف الأزمة الراهنة أن الجوع في أفغانستان لم يعد نتيجة كوارث طبيعية فقط، بل ثمرة مباشرة لتداخل السياسة بالإنسانية. فالعقوبات، وتجميد الأموال، وتراجع اهتمام الدول المانحة، حوّلت المساعدات إلى رهينة للملفات السياسية، فيما يدفع المدنيون الثمن.
وتحذّر منظمات دولية من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى كارثة إنسانية أوسع، مع تصاعد الهجرة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وازدياد عمالة الأطفال والزواج المبكر.
تحذير أخير قبل الانفجار
مع اقتراب الشتاء، وتراجع التمويل، وغياب أفق سياسي يخفف العقوبات، تبدو أفغانستان على شفا انهيار إنساني شامل. وتؤكد منظمات الإغاثة أن سوء التغذية يمكن الوقاية منه بالكامل، لكن ذلك يتطلب قرارًا دوليًا عاجلًا بفصل المسار الإنساني عن التجاذبات السياسية، قبل أن يتحول الجوع إلى حكم بالإعدام على جيل كامل من الأطفال الأفغان.








