الضفة الغربية والأغوار..تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديداً منطقة الأغوار والقدس، تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع الميداني؛ حيث لم يعد الاستيطان مجرد توسع ديمغرافي، بل استحال أداة "حسم" سياسي وميداني تهدف إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.
وفي أحدث التطورات، تم رصد بؤرة استيطانية جديدة في الأغوار الشمالية، تزامناً مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين التي تجري تحت غطاء كامل من "سياسة الإفلات من العقاب".
رصد بؤرة استيطانية جديدة في الأغوار
وأفادت مصادر حقوقية وميدانية “منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو” بقيام مجموعة من المستوطنين المسلحين بوضع كرفانات ومنشآت في منطقة "أم الجمال" بالأغوار الشمالية، معلنين بذلك عن بؤرة استيطانية جديدة. وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الهجمات المنظمة التي استهدفت تجمعات الرعاة الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل القسري.
إحصائيات وأرقام مرعبة (2024-2025)
حيث تم إنشاء أكثر من 59 بؤرة استيطانية جديدة منذ مطلع عام 2023 وحتى منتصف 2025، أغلبها "بؤر رعوية" و سجلت مراكز الأبحاث (أريج) أكثر من 2400 اعتداء في عام 2024، فيما شهد النصف الأول من 2025 وحده ما يقارب 1250 حالة اعتداء و أدت هذه السياسة إلى تهجير أكثر من 28 تجمعاً بدوياً بالكامل في مناطق "ج".
سياسة الإفلات من العقاب
ولا يمكن فصل تصاعد العنف عن البنية القانونية والأمنية التي توفر الحماية للمعتدين. إن ما يحدث في الضفة الغربية والقدس هو "عنف ترعاه الدولة"، حيث يتم توزيع الأدوار بين الجيش والمستوطن.
غياب المساءلة القانونية
وتشير التقارير الحقوقية (مثل بتسيلم ويش دين) إلى أن 93% من ملفات التحقيق التي فتحتها الشرطة الإسرائيلية في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين أُغلقت دون توجيه لوائح اتهام. هذا الإغلاق الممنهج للملفات يرسخ قناعة لدى المستوطن بأن "الاعتداء بلا ثمن".
وفي أغلب الهجمات المرصودة في الأغوار، يظهر جنود الاحتلال وهم يوفرون الحماية للمستوطنين أثناء حرقهم للمحاصيل أو سرقتهم للمواشي. وفي حالات كثيرة، يتم اعتقال الضحية الفلسطيني بتهمة "عرقلة عمل الجيش" إذا حاول الدفاع عن أرضه.
الاستيطان كأداة "حسم" ميداني وسياسي
وتنتقل الحكومة الإسرائيلية الحالية من مرحلة "إدارة الصراع" إلى "حسم الصراع". ويتم توظيف الاستيطان في هذا السياق عبر ثلاثة محاور رئيسية:
تفتيت الجغرافيا الفلسطينية
حيث الهدف من وضع بؤرة استيطانية في الأغوار ليس السكن، بل السيطرة على مساحات شاسعة من المراعي (الاستيطان الرعوي). هذا يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي بين مدن الضفة الغربية وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى "جزر" معزولة داخل محيط استيطاني.
الحسم السياسي وإجهاض حل الدولتين
ومن خلال السيطرة على الأغوار (التي تمثل 30% من مساحة الضفة)، تسعى إسرائيل إلى فرض "ضم فعلي" (De Facto Annexation) دون الحاجة لإعلان قانوني رسمي، هذا التوظيف يجعل من أي مفاوضات مستقبلية حول الأرض أمراً مستحيلاً، لأن الواقع الميداني قد حُسم بالفعل لصالح المستوطنات.
الصبغة الشرعية للبؤر "غير القانونية"
عبر "مديرية الاستيطان" التي يقودها وزراء متطرفون، يتم العمل على شرعنة هذه البؤر ومدها بالبنية التحتية (كهرباء، ماء، طرق)، مما يحول الخيام والكرفانات العشوائية إلى مستوطنات معترف بها رسمياً في غضون أشهر.
القدس.. جبهة الاستيطان الموازي
بالتوازي مع الأغوار، تشهد القدس المحتلة محاولات حثيثة لتغيير وجهها الديمغرافي عبر المشاريع السياحية الاستيطانية: مثل "حدائق التوراة" المحيطة بالبلدة القديمة هدم المنازل تحت ذريعة عدم الترخيص، لدفع المقدسيين للسكن خلف جدار الفصل العنصري.
مستقبل الوجود الفلسطيني في مناطق "ج"
إن تصاعد اعتداءات المستوطنين وبناء البؤر الجديدة ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو استراتيجية ممنهجة لاستنزاف الفلسطيني اقتصادياً ونفسياً حتى يضطر للرحيل.
إن الصمت الدولي عن "سياسة الإفلات من العقاب" يمنح الاحتلال الوقت الكافي لإتمام مشروع الحسم، مما يجعل من الضفة الغربية ساحة مواجهة مفتوحة أمام محاولات الاقتلاع والتهجير.
تعد منطقة الأغوار وشمال البحر الميت سلة الغذاء الاستراتيجية للفلسطينيين، حيث تغطي نحو 30% من مساحة الضفة الغربية. منذ احتلال عام 1967، صنّفت إسرائيل أغلب هذه الأراضي كـ "مناطق ج" تخضع لسيطرتها الأمنية والإدارية الكاملة وفق اتفاقية أوسلو.
ومنذ ذلك الحين، انتهجت الحكومات المتعاقبة سياسة "تفريغ الأرض" عبر إعلان مساحات شاسعة "مناطق عسكرية مغلقة" أو "محميات طبيعية"، مما حرم الفلسطينيين من استغلال مواردهم الطبيعية ومصادر المياه.
ومع صعود التيارات اليمينية المتطرفة للحكم، انتقلت الاستراتيجية من التوسع العمراني التقليدي إلى "الاستيطان الرعوي"؛ وهو نمط هجومي يعتمد على مجموعات صغيرة من المستوطنين تسيطر على آلاف الدونمات من المراعي تحت حماية الجيش.
هذا التحول يهدف إلى خلق واقع ديمغرافي وجغرافي يستحيل معه تطبيق حل الدولتين، حيث يُعامل الاستيطان كأداة "حسم" نهائي لضم الأغوار فعلياً، وفصل الضفة الغربية عن عمقها العربي شرقاً، مما يضع التجمعات البدوية أمام خيارين: الرحيل القسري أو العيش تحت إرهاب المستوطنين اليومي.










