شهد التضخم في المغرب تحركًا طفيفًا خلال شهر سبتمبر، في مؤشر يعكس حالة توازن هش بين ضغوط الأسعار من جهة، واستمرار ضعف الطلب وتراجع أسعار الغذاء من جهة أخرى. فبحسب معطيات رسمية، لا تزال مستويات التضخم بعيدة عن أي موجة ارتفاع مقلقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحولات دقيقة في بنية الأسعار داخل الاقتصاد المغربي.
قراءة في أرقام التضخم في المغرب لشهر سبتمبر
أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن التضخم في المغرب، المقاس بمؤشر أسعار المستهلكين، ارتفع على أساس سنوي إلى 0.3 بالمئة في سبتمبر، مقارنة بـ0.1 بالمئة في أغسطس. ورغم أن الارتفاع يبدو محدودًا، إلا أنه يعكس عودة تدريجية للضغوط السعرية بعد فترة من التباطؤ النسبي.
هذا التحرك الطفيف يؤكد أن الاقتصاد المغربي لا يزال يعيش مرحلة انتقالية بين آثار التشديد النقدي السابق ومحاولات دعم النمو، وسط بيئة دولية تتسم بعدم اليقين.
أسعار الغذاء: عامل كبح رئيسي للتضخم
تشير البيانات إلى أن أسعار المواد الغذائية، التي تعد المحرك الأهم في التضخم في المغرب، تراجعت بنسبة 1.2 بالمئة على أساس سنوي. ويُفسَّر هذا الانخفاض بتحسن نسبي في سلاسل التوريد، إضافة إلى تراجع أسعار بعض السلع الزراعية، وهو ما خفف الضغط عن القدرة الشرائية للأسر.
غير أن هذا التراجع لا يعني انتهاء المخاطر، إذ يظل التضخم الغذائي حساسًا لعوامل موسمية ومناخية، فضلًا عن تقلبات الأسواق العالمية.
السلع غير الغذائية تعيد الضغوط السعرية تدريجيًا
في المقابل، سجلت أسعار السلع غير الغذائية ارتفاعًا بنسبة 0.4 بالمئة، ما يعكس انتقال جزء من الضغوط التضخمية إلى قطاعات أخرى مثل النقل والخدمات. هذا التطور يوضح أن التضخم في المغرب لم يعد محصورًا في الغذاء، بل بدأ يأخذ طابعًا أكثر تنوعًا، وإن كان بوتيرة بطيئة.
التضخم الأساسي يؤكد ضعف الطلب
تراجع التضخم الأساسي، الذي يستثني السلع الأكثر تقلبًا، بنسبة 0.9 بالمئة على أساس سنوي و0.4 بالمئة على أساس شهري، وهو مؤشر مهم على استمرار ضعف الطلب الداخلي. ويعني ذلك أن الارتفاع الأخير في التضخم في المغرب لا يرتبط بطفرة استهلاكية، بل بعوامل هيكلية ومحدودة التأثير.
توقعات البنك المركزي
في سياق متصل، توقع بنك المغرب أن يبلغ متوسط التضخم في المغرب نحو 0.8 بالمئة خلال العام الجاري، على أن يرتفع تدريجيًا إلى 1.3 بالمئة في 2026 و1.9 بالمئة في 2027. هذه التوقعات تعكس ثقة حذرة في استقرار الأسعار، مع افتراض استمرار السياسات النقدية والمالية المتحفظة.
دلالات اقتصادية أوسع
تشير هذه المعطيات إلى أن التضخم في المغرب لا يشكل حاليًا تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي، لكنه يفرض على صناع القرار مراقبة دقيقة لتوازن الأسعار، خاصة في ظل أي صدمات خارجية محتملة. كما أن الحفاظ على تضخم منخفض يظل عنصرًا أساسيًا لدعم النمو وحماية القدرة الشرائية، دون العودة إلى ضغوط تضخمية حادة.
يمكن القول إن التضخم في المغرب يتحرك ضمن نطاق آمن نسبيًا، مدفوعًا بتراجع أسعار الغذاء مقابل ارتفاع محدود في السلع غير الغذائية. غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تحديات كامنة، أبرزها هشاشة الطلب الداخلي وحساسية الأسعار لأي تغيرات خارجية، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات الاقتصادية على الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار والنمو.
رويترز








