20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الموت على قائمة الانتظار: غزة من "الانهيار الصحي" إلى "الاستنزاف الشامل"

الموت على قائمة الانتظار: غزة من "الانهيار الصحي" إلى "الاستنزاف الشامل"

بقلم: محمد خميس
٢١ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
الانهيار الصحي بغزة

الانهيار الصحي بغزة

الموت على قائمة الانتظار: غزة من "الانهيار الصحي" إلى "الاستنزاف الشامل"

تستمر المأساة الإنسانية في غزة في تجاوز كل الخطوط الحمراء التي رسمتها القوانين الدولية. لم يعد الموت يطرق الأبواب فقط عبر الصواريخ والغارات، بل أصبح يسكن في طوابير الانتظار الطويلة أمام المعابر الموصدة. منذ منتصف عام 2024.

ومع إغلاق معبر رفح البري، تحول القطاع إلى سجن كبير يلفظ فيه المرضى أنفاسهم الأخيرة بصمت، بعيداً عن غرف العمليات التي كان من المفترض أن تمنحهم فرصة ثانية للحياة.

 الموت بانتظار الإجلاء.. ألف حكاية لم تكتمل

وأشارت التقارير الطبية والحقوقية المتقاطعة إلى رقم مفزع: أكثر من 1000 مريض وجريح فارقوا الحياة منذ منتصف عام 2024 وهم ينتظرون الموافقة على مغادرة القطاع لتلقي العلاج. هؤلاء لم يقتلوا بشظايا القنابل، بل قتلوا بـ "البيروقراطية القاتلة" والحصار المطبق.

أرقام صادمة من واقع الميدان:

حيث أن مرضى الأورام يمثلون الفئة الأكثر تضرراً، حيث يحتاج مريض السرطان إلى بروتوكولات علاجية زمنية دقيقة، يؤدي انقطاعها إلى انتكاسة سريعة لا يمكن تداركها وأصحاب الأمراض المزمنة توقف وحدات غسيل الكلى ونقص الأنسولين حول حياة الآلاف إلى عد تنازلي والجرحى ذوو الإصابات المعقدة وهم الآلاف يعانون من التهابات العظام (الغرغرينا) التي تتطلب تدخلاً جراحياً غير متوفر محلياً، مما يؤدي إلى بتر الأطراف أو الوفاة نتيجة التسمم الدموي.

انهيار النظام الصحي في غزة

لم تكن الصحافة العالمية بمنأى عن رصد الكارثة، حيث وصفت كبرى المؤسسات الإعلامية ما يحدث بـ "الإبادة الصحية الممنهجة".

واشنطن بوست: "المستشفيات كأهداف"

حيث ركزت التقارير على أن النظام الصحي لم يسقط "صدفة"، بل نتيجة استهداف مباشر ومنهجي للمرافق الطبية. خروج مستشفى "الشفاء" ومجمع "ناصر" الطبي عن الخدمة كان بمثابة قطع الشريان الأبهر للحياة الطبية في غزة.

الغارديان: "الجراحة في القرون الوسطى"

ونقلت الصحيفة البريطانية تقارير عن أطباء دوليين اضطروا لإجراء عمليات جراحية دون تخدير، واستخدام الخل لتنظيف الجروح، في مشهد يعيد الطب عقوداً إلى الوراء نتيجة منع دخول المستلزمات الطبية الأساسية.

 نيويورك تايمز: "الأوبئة الصامتة"

وسلطت الضوء على عودة أمراض كان قد تم القضاء عليها، مثل شلل الأطفال، محذرة من أن انهيار منظومة الصرف الصحي وتراكم النفايات الطبية يخلق بيئة خصبة لأوبئة قد تتجاوز حدود غزة.

من "الهدوء النسبي" إلى "استنزاف بطيئة"

لفترة طويلة، كان العالم ينظر إلى فترات تراجع وتيرة القصف على أنها "هدوء"، لكن الحقيقة الميدانية تكشف عن استراتيجية جديدة تُعرف بـ "حرب الاستنزاف البطيئة".

آليات التحول بدلاً من التدمير الشامل السريع، يتم تقنين دخول الوقود والغذاء والدواء ليبقى المجتمع دائماً على حافة المجاعة، مما ينهك القوى الجسدية والنفسية للسكان و إجبار السكان على الانتقال من "مربع آمن" إلى آخر وهمي، مما يستنزف ما تبقى لديهم من مدخرات وطاقة، ويمنعهم من الاستقرار لترميم حياتهم واستنزاف الكوادر الطبية والتعليمية والتقنية عبر القتل أو الاعتقال، مما يفرغ المجتمع من عقوله المدبرة ويجعل عملية التعافي مستحيلة مستقبلاً.

هذه الحرب البطيئة تهدف إلى كسر الإرادة المجتمعية دون إثارة ضجيج عالمي كبير كما تفعل المجازر الكبرى، وهي أخطر لأنها تقتل "الأمل" قبل أن تقتل "الأجساد".

الطقس والحصار.. المطر كعدو

مع دخول فصول الشتاء القاسية، لم يعد الحصار مجرد منع للبضائع، بل أصبح صراعاً مع الطبيعة في ظل غياب أدنى مقومات الحماية.

حيث يعيش أكثر من 1.5 مليون نازح في خيام قماشية أو نايلون. الأمطار الغزيرة لا تغرق الأمتعة فحسب، بل تمزق النسيج الاجتماعي والخصوصية الأسرية، حيث تتكدس عائلات بأكملها في مساحات ضيقة و مع الرطوبة العالية ونقص وسائل التدفئة (التي يعتمد فيها السكان على حرق البلاستيك والملابس القديمة)، انتشرت أمراض الرئة والجلد بشكل غير مسبوق، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

كما أن الضغط الهائل الناجم عن البحث عن الدفء والماء النظيف يضع الأفراد في حالة صراع يومي من أجل البقاء، مما يهدد قيم التكافل الاجتماعي ويحل محلها "غريزة البقاء الفردية".

ما هي تداعيات الحصار على المستقبل الديموغرافي؟

إن فقدان أكثر من ألف مريض (من فئات عمرية مختلفة) ومنع الآلاف من العلاج لا يعني فقط خسارة أرواح، بل يعني غياب العلاج المبكر للإصابات يحول آلاف الشباب إلى ذوي احتياجات خاصة دائمين وفقدان الأمهات والأطفال نتيجة غياب الرعاية الصحية للأمومة والطفولة يخلق فجوة ديموغرافية ستظهر آثارها في العقود القادمة.

إن الأرقام التي نتحدث عنها ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخة مكتومة في وجه ضمير عالمي يبدو أنه اعتاد مشهد الدم. إن إنقاذ ما تبقى من النظام الصحي في غزة يتطلب فتح ممر مائي أو جوي آمن لإجلاء المرضى فوراً دون قيود سياسية و إدخال الوقود والمستلزمات الطبية بضمانات دولية لضمان عمل المستشفيات المتبقية وتوفير مأوى كريم يقاوم تقلبات الطقس، لأن الخيمة في غزة أصبحت قبراً مؤجلاً.

إن التاريخ لن يرحم الصامتين على موت المرضى وهم ينظرون إلى المعابر المغلقة، فالموت بـ "الانتظار" هو أبشع أنواع الإعدام الجماعي في العصر الحديث.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الموت على قائمة الانتظار: غزة من "الانهيار الصحي" إلى "الاستنزاف الشامل" - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°