حضرموت على فوهة بركان.. صراع "كسر العظم" بين طموحات الحكم الذاتي وأجندات السيطرة
لطالما اعتبرت محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن مساحةً وأغناها موارد، "بيضة القبان" في الصراع اليمني، اليوم، لم تعد حضرموت مجرد ساحة خلفية للحرب المستمرة منذ عقد، بل تحولت إلى قلب العاصفة.
ومع تصاعد التوترات بين المجلس الانتقالي الجنوبي، والقوى المحلية الحضرمية، والحكومة المعترف بها دولياً، يبرز تساؤل جوهري: هل تنجح حضرموت في نيل حكمها الذاتي، أم ستكون الشرارة التي تفجر مسار السلام اليمني الهش؟
المجلس الانتقالي والرهان على "وادي حضرموت"
حيث يضع المجلس الانتقالي الجنوبي حضرموت في مقدمة أولوياته الاستراتيجية. بالنسبة للانتقالي، لا يمكن قيام "دولة الجنوب" المنشودة بدون السيطرة الكاملة على حضرموت، وتحديداً مناطق الوادي والصحراء.
استراتيجية السيطرة والتمكين
حيث يسعى الانتقالي إلى إخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى (المحسوبة على تيارات سياسية معينة) وإحلال قوات "النخبة الحضرمية" بدلاً منها.
و يرى الانتقالي أن سيطرته على الساحل يجب أن تمتد إلى الداخل لضمان السيادة الأمنية ومنع أي ثغرات قد تستغلها التنظيمات الإرهابية أو القوى المنافسة والشرعية السياسية و إثبات أنه الممثل الوحيد للجنوب من المهرة إلى باب المندب.
أدوات الضغط الشعبي والعسكري
واستخدم الانتقالي "الهبة الحضرمية" والاحتجاجات الشعبية كأداة للضغط على مجلس القيادة الرئاسي. التصعيد الأخير في المكلا وسيئون يعكس رغبة الانتقالي في فرض واقع جديد على الأرض قبل الدخول في أي تسويات نهائية.
رياح "الحكم الذاتي".. حلم حضرموت القديم المتجدد
وبينما يتصارع الكبار، برز "مؤتمر حضرموت الجامع" و"مجلس حضرموت الوطني" كقوى تطالب بخصوصية حضرمية بعيدة عن التبعية لعدن أو صنعاء.
لماذا يطالب الحضارم بالحكم الذاتي؟
تستند مطالب الحكم الذاتي إلى أسس تاريخية واقتصادية منها المظلومية الاقتصادية فحضرموت ترفد ميزانية الدولة بنسبة تتجاوز $70\%$ من الإيرادات، بينما تعاني من نقص الخدمات وتهالك البنية التحتية والهوية المستقلة حيث يرى الكثير من أبناء المحافظة أن لديهم هوية ثقافية واجتماعية تميزهم، ويرفضون أن يكونوا مجرد "ملحق" في أي مشروع سياسي آخر.
مجلس حضرموت الوطني: المنافس الجديد
جاء تشكيل "مجلس حضرموت الوطني" بدعم إقليمي واضح ليكون حائط صد أمام طموحات الانتقالي بالانفراد بالقرار، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل النسيج الاجتماعي الحضرمي.
إن استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" في حضرموت مع التحشيد العسكري المتبادل يرفع من احتمالات الانفجار الوشيك.
سيناريو المواجهة العسكرية المباشرة
إذا حاول الانتقالي تجاوز الخطوط الحمراء في وادي حضرموت، فقد يصطدم بقوات المنطقة العسكرية الأولى والقبائل المتحالفة معها. هذا الصدام لن يكون محلياً، بل سيمتد ليطال منشآت النفط في "المسيلة"، مما يعني شلل ما تبقى من اقتصاد يمني و التاريخ يخبرنا أن أي صراع بين القوى النظامية في حضرموت يمنح "تنظيم القاعدة" فرصة ذهبية للبروز مجدداً، كما حدث عند سقوط المكلا في 2015.
الانعكاسات على مسار السلام الشامل في اليمن
لا يمكن فصل ما يحدث في حضرموت عن المشهد اليمني العام والوساطة العمانية-السعودية فخارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة تعتمد على توافق المكونات المنضوية تحت لواء الشرعية. انقسام هذه المكونات في حضرموت يضعف موقف التفاوض أمام جماعة الحوثي.
وتعد إيرادات نفط حضرموت حجر الزاوية في أي اتفاق اقتصادي. النزاع على من يدير هذه الموارد (سواء عبر الحكم الذاتي أو السيطرة المركزية) يعقد التوصل لاتفاق حول صرف رواتب الموظفين في عموم اليمن.
الموقف الإقليمي والدولي من تصعيد حضرموت
وتراقب القوى الدولية حضرموت بعين الحذر، نظراً لإطلالتها البحرية الطويلة وحدودها مع الجوار الإقليمي فالسعودية تسعى للحفاظ على استقرار حضرموت كعمق استراتيجي، وتدعم فكرة التمثيل الحضرمي المستقل لضمان التوازن والإمارات تدعم قوات النخبة الحضرمية وتدفع باتجاه تمكين القوى المحلية الحليفة لها لضمان مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل.
إلى أين تتجه حضرموت؟
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة مسارات مستقبلية منها مسار التوافق (الحكم المحلي الواسع): وهو الحل الأكثر واقعية، حيث تُمنح حضرموت صلاحيات إدارية ومالية واسعة جداً ضمن إطار الدولة، مع بقاء التنسيق الأمني تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي و مسار الصدام (الحسم العسكري): محاولة طرف واحد فرض سيطرته بالقوة، وهو ما سيؤدي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد وتدويل القضية الحضرمية بشكل أكبر ومسار "تجميد الصراع": استمرار الوضع الحالي من التقاسم الجغرافي بين الساحل والوادي، وهو وضع هش قد ينفجر عند أي منعطف سياسي.
حضرموت ليست مجرد محافظة
إن مفتاح السلام في اليمن يمر عبر "المكلا" و"سيئون". تجاهل مطالب أبناء حضرموت في الإدارة الذاتية أو محاولة القفز فوق تطلعاتهم سيجعل من أي اتفاق سلام قادم مجرد "حبر على ورق".
إن التحدي الحقيقي اليوم أمام مجلس القيادة الرئاسي هو صياغة عقد اجتماعي جديد يرضي طموح الانتقالي في الشراكة، وطموح الحضارم في السيادة على أرضهم، ومقتضيات السلام اليمني الشامل.










