بأوامر من "آفي بلوث".. كيف شرعن الجيش الإسرائيلي إرهاب المستوطنين؟
في واحدة من أخطر الأزمات التي تضرب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ عقود، تصدرت دعوات إقالة آفي بلوث، قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي، المشهد السياسي والحقوقي.
هذه الدعوات التي أطلقتها حركة "السلام الآن" المتخصصة في مراقبة النشاط الاستيطاني، لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل جاءت مدعومة بأدلة استقصائية صادمة كشفت عن تحول دراماتيكي في دور الجيش الإسرائيلي داخل الضفة الغربية المحتلة خلال عام 2025.
فبعد سنوات من محاولة الجيش الظهور بمظهر "المحايد" أو "المنفذ للقانون" أمام المجتمع الدولي، كشف تحقيق برنامج "زمان إيميت" على قناة /كان 11/ العبرية، أن القيادة الحالية للمنطقة الوسطى باتت تعمل كذراع تنفيذي ومظلة أمنية لجماعات "شباب التلال" الاستيطانية الإرهابية، مما يهدد بابتلاع ما تبقى من أراضي الضفة الغربية بشكل كامل وغير مسبوق.
"ممثل الإرهاب بزي عسكري".. هجوم حاد من "السلام الآن"
شن ليئور أميشاي، الرئيس التنفيذي لمنظمة "السلام الآن"، هجوماً هو الأعنف من نوعه على آفي بلوث، مطالباً رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، بالتحرك الفوري لإقالته من منصبه.
ووصف أميشاي بلوث بأنه "ممثل لجماعة شباب التلال الإرهابية مرتدياً زي الجيش الإسرائيلي"، مؤكداً أن الضابط الكبير قد حوّل قواته فعلياً إلى قوة مساعدة لإنشاء بؤر إرهابية يهودية غير شرعية في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.
وتكمن خطورة هذه الاتهامات في أنها تأتي بعد فترة وجيزة من تولي بلوث منصبه، حيث بدأت سياسة "الأبواب المفتوحة" للمستوطنين، وتسهيل مهام السيطرة على الأراضي الفلسطينية وطردهم منها تحت تهديد السلاح وبتغطية مباشرة من قيادة المنطقة الوسطى.
كواليس التحقيق الاستقصائي: آلية "المزارع الاستيطانية" المنظمة
أظهر التحقيق الذي بثته القناة 11 العبرية تفاصيل دقيقة حول كيفية إنشاء البؤر الاستيطانية منذ تولى بلوث منصبه في 24 يوليو 2024. وبحسب شهادة ضابط برتبة مقدم في قيادة المنطقة الوسطى، فإن الوضع تغير تماماً بعد رحيل القائد السابق يهودا فوكس.
آلية العمل كما كشفها التحقيق:
يرسل بلوث شخصية قيادية معروفة في الجيش لإجراء جولات تمهيدية مع المستوطنين الطامعين في إقامة "مزارع استيطانية" ويتم عقد مقابلات مع أصحاب المزارع غير القانونية، ثم ترفع الخطط إلى بلوث الذي يمنح الموافقة النهائية بالتنسيق الكامل وبفضل هذه السياسة، تم إنشاء حوالي 140 نقطة استيطان جديدة، تسيطر حالياً على مساحة شاسعة تصل إلى مليون دونم في الضفة الغربية، وهي مساحة تعادل أربعة أضعاف مساحة جميع المستوطنات القديمة مجتمعة.
من هو آفي بلوث؟ خلفية أيديولوجية متشددة
لفهم أسباب هذا التحول في عقيدة الجيش بالضفة، يجب النظر إلى الخلفية الأيديولوجية لـ آفي بلوث. فهو أول قائد للمنطقة الوسطى ينتمي لتيار "الصهيونية الدينية" القومي المتشدد، ترعرع في مستوطنة "نِفيه تسوف" (حلميش) غرب رام الله، وهي بيئة معروفة بتشددها القومي و درس في أكاديمية "بني دافيد" (أبناء داود) في مستوطنة "عيلي"، وهي الأكاديمية التي تعد الحاضنة الفكرية لأقصى اليمين الإسرائيلي، وتهدف إلى دمج الفكر التوراتي المتطرف بالخدمة العسكرية.
هذه الخلفية جعلت من بلوث "بطلاً" في نظر المستوطنين و"كارثة" في نظر المنظمات الحقوقية، حيث يرى فيه المستوطنون الشخص الذي أعاد الجيش إلى "مساره الصحيح" في حماية المشروع الصهيوني الاستيطاني دون قيود قانونية.
التداعيات الدولية والقانونية لعام 2026
يرى المحللون أن استمرار آفي بلوث في منصبه حتى عام 2026 قد يضع إسرائيل أمام تحديات قانونية دولية خطيرة، خاصة مع تزايد العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي على أفراد وجماعات "شباب التلال".
الأدلة التي كشفت عن تورط الجيش كـ "ميسّر" لهذه الهجمات الإرهابية قد تجعل قيادات عسكرية إسرائيلية عرضة للملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة "التواطؤ في جرائم حرب".
كما أن السيطرة على مليون دونم تعني خنق التجمعات الفلسطينية بالكامل ومنع أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية في المستقبل، وهو ما تصفه "السلام الآن" بأنه "انقلاب صامت" يقوده الجيش لصالح المستوطنين.
فبينما يسعى تيار اليمين المتطرف بقيادة سموتريتش وبن غفير إلى تعزيز قبضة بلوث وجعله "قائد التوسع"، تحذر الأصوات الليبرالية والحقوقية من أن الجيش بات يخدم أجندة "إرهابية" تقوض أمن المنطقة وتكشف الوجه الأكثر تطرفاً للاحتلال في 2025.
يبقى التساؤل الآن موجهاً لرئيس الأركان إيال زامير: هل سيخضع للضغط الحقوقي ويقيل بلوث حماية لسمعة الجيش، أم سيبقى بلوث في منصبه ليكمل مخطط السيطرة الكاملة على الضفة الغربية؟
يظل ملف "آفي بلوث" مرشحاً للانفجار في الأسابيع القادمة مع ظهور مزيد من الوثائق التي تثبت أن ما يحدث في تلال الضفة ليس مجرد "مبادرات فردية"، بل هو مشروع تقوده أعلى الهرم العسكري في المنطقة الوسطى.










