يمثل رحيل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام نهاية واحدة من أكثر المسيرات المهنية تأثيرًا وجدلاً في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة. فعلى مدى أكثر من عقدين، لم يكن غراهام مجرد سيناتور عن ولاية كارولينا الجنوبية، بل غدا أحد أقوى أصوات واشنطن المنادية بالتدخل العسكري، والزعامة الأمريكية العالمية، وفوق كل ذلك، الدعم غير المشروط لإسرائيل.
لقد أشعلت وفاته نقاشاً محورياً: هل اختفى الرجل بينما لا تزال العقيدة التي دافع عنها راسخة في صلب السياسة الأمريكية؟ أم أن رحيله يشي بافول تدريجي لحقبة اعتبرت القوة العسكرية والتحالفات التي لا تتزعزع الأدوات الأساسية للنفوذ الأمريكي؟
إسرائيل في قلب سياسته الخارجية
قلة من الساسة الأمريكيين ربطوا أنفسهم بهذا القدر من الوثاقة بأمن إسرائيل. وطوال مسيرته في مجلس الشيوخ، جادل غراهام بأن إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي الذي لا غنى عنه لأمريكا في الشرق الأوسط، وأن أمنها يخدم بشكل مباشر المصالح الوطنية الأمريكية.
وسواء تعلق الأمر بطموحات إيران النووية، أو المساعدات العسكرية لإسرائيل، أو الضغوط الدبلوماسية في الأمم المتحدة، نادراً ما حاد غراهام عن هذا الموقف. وعقب هجمات حماس في أكتوبر 2023، دافع بقوة عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، ورفض الدعوات لربط المساعدات العسكرية الأمريكية بأي تغيير في السياسة الإسرائيلية.
بالنسبة لمؤيديه، كان هذا الموقف تجسيداً للولاء لحليف ديمقراطي يواجه جماعات مسلحة وأطرافاً إقليمية معادية. أما بالنسبة للكثيرين غيرهم، فقد كان دليلاً على عجزٍ عن التمييز بين دعم أمن إسرائيل وبين تأييد كل جانب من جوانب سلوكها العسكري.
لماذا أصبح شخصية مثيرة للجدل في العالم الإسلامي؟
لم يرتبط أي سيناتور أمريكي بالمؤسسة الموالية لإسرائيل في واشنطن كما ارتبط ليندسي غراهام.
في معظم أنحاء العالم الإسلامي، تجاوز نقد غراهام مجرد خطاباته أو سجله التصويتي، إذ بات يرمز لما يعتبره الكثيرون "ازدواجية المعايير" الأمريكية في تطبيق القانون الدولي وحقوق الإنسان. فبينما أدانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الهجمات على المدنيين في صراعات أخرى، يرى النقاد أن واشنطن غالباً ما تبنت معياراً مغايراً عندما تعلق الأمر بإسرائيل.
وقد عززت تصريحات غراهام العلنية هذا التصور؛ فقد أكد باستمرار على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما أولى اهتماماً أقل بكثير للتبعات الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون. وخلال حرب غزة، أعادت صور الأحياء المدمرة، والعائلات المهجرة، والضحايا المدنيين صياغة الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي. وفي ظل هذه الخلفية، جعل دعمه غير المتهاون للعمليات العسكرية الإسرائيلية منه أحد أكثر الساسة الأمريكيين تعرضاً للانتقاد في المنطقة.
كما أن دعمه لغزو العراق، ودعوته لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران، وتأييده للحلول العسكرية في عدة أزمات إقليمية، زادت من تكريس صورة السياسي الذي يؤمن بأن القوة الأمريكية يجب أن تُمارس عبر القوة الغاشمة لا عبر الدبلوماسية.
عقيدة غراهام: أبعد من مجرد رجل
على الرغم من عدم وجود عقيدة رسمية تحمل اسمه، إلا أن غراهام روج باستمرار لرؤية عالمية يمكن التعرف على ملامحها؛ فقد استندت إلى أربعة مبادئ: الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي المطلق، والتمسك بتحالفات استراتيجية غير مشروطة، ومواجهة الخصوم عبر الضغط لا عبر التفاهم، واعتبار إسرائيل حجر الزاوية في استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط.
عكست هذه المقاربة الثقة التي طبعت واشنطن في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث جادل غراهام بأن القوة العسكرية الأمريكية تمنع نشوب صراعات أكبر وتحمي الاستقرار العالمي.
لكن منتقديه توصلوا إلى نتيجة معاكسة، مؤكدين أن عقوداً من التدخل في العراق وأفغانستان وليبيا وغيرها من الصراعات قد قوضت مصداقية أمريكا، وفرضت تكاليف مالية باهظة، وعمقت حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن وجهة نظرهم، فإن الدعم غير المشروط لإسرائيل زاد من إضعاف مكانة واشنطن في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، وعقد قدرتها على تقديم نفسها كقائد عالمي نزيه.
أمريكا التي كانت تتغير بالفعل
من المفارقات أن سنوات غراهام الأخيرة تزامنت مع تحولات عميقة داخل الولايات المتحدة نفسها.
فعلى الرغم من أن الدعم لإسرائيل ظل قوياً داخل الكونغرس، إلا أن الرأي العام الأمريكي بدأ يشهد انقساماً متزايداً.
وبدأ الناخبون الشباب، والعديد من الأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، وعدد متزايد من السياسيين يتساءلون عما إذا كان الدعم غير المشروط لإسرائيل يخدم المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لأمريكا.
حتى الحزب الجمهوري نفسه شهد تطوراً؛ فبينما مثل غراهام الجناح التدخلي التقليدي، أبدت حركة "أمريكا أولاً" المتصاعدة شكوكاً أكبر تجاه الالتزامات الخارجية طويلة الأمد. هذا الانقسام الناشئ أشار إلى أن إجماع السياسة الخارجية الذي دافع عنه غراهام بكل قوة لم يعد يحظى بالدعم غير المشروط الذي كان يتمتع به في الماضي.
في غضون ذلك، تغير الشرق الأوسط نفسه؛ فقد وسعت الصين نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي، ونوعت دول الخليج شراكاتها الدولية، وأخذت القوى الإقليمية تنتهج سياسات خارجية مستقلة بشكل متزايد. وهكذا، أصبحت البيئة الاستراتيجية التي شكلت رؤية غراهام للعالم أكثر تعقيداً بكثير من تلك التي كانت قائمة عندما دخل مجلس الشيوخ لأول مرة.
هل سيبقى إرثه؟
يطوي رحيل ليندسي غراهام فصلاً مهماً في السياسة الأمريكية، لكنه لا يحسم النقاش الذي كان يمثله.
سيذكره مؤيدوه كـ "مدافع مبدئي" عن الزعامة الأمريكية وأمن إسرائيل، بينما سيذكره منتقدوه كـ "أحد أوضح رموز السياسة الخارجية التدخلية" التي غالباً ما قدمت القوة العسكرية على الدبلوماسية وبدت غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية هو: هل سيواصل القادة الأمريكيون المستقبليون تبني الافتراضات التي حددت مسيرة غراهام المهنية؟ فمع تزايد تعددية الأقطاب في موازين القوى العالمية، واستمرار تطور الرأي العام داخل الولايات المتحدة، قد تكتشف واشنطن أن نفوذها لا يعتمد فقط على القوة العسكرية والتحالفات الاستراتيجية، بل على المصداقية، والاتساق، والقدرة على كسب الثقة الدولية.
بهذا المعنى، يتجاوز الإرث السياسي لليندسي غراهام مجرد كونه سيناتوراً؛ فقد أصبح اختباراً لمدى قدرة استراتيجية أمريكا طويلة الأمد في الشرق الأوسط على الصمود في عالم متغير، وما إذا كان الدعم غير المشروط لإسرائيل سيظل المبدأ المحدد للسياسة الأمريكية أم سيفسح المجال تدريجياً لنهج أكثر توازناً.










