لا تبدأ القصص الكبرى دائماً بانفجار مدوٍ، بل أحياناً بسطر صغير مدفون في مئات الصفحات من تقرير مالي لا يقرأه إلا المحاسبون والمحامون والصحفيون الفضوليون، ثم يكتشف أحدهم أن هذا السطر لا يصف مجرد صفقة، بل يروي حكاية عصر كامل، لتجسد الحكمة التاريخية للعلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة منذ أكثر من ستة قرون: "إن تجارة السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية"، بدقة متناهية المشهد الراهن للسياسة الأمريكية، حيث اعتاد السياسيون إخفاء مصالحهم خلف شركات استشارية وصناديق استثمار وعقود لا تنتهي، ليبدو أن الاقتصاد الرقمي قد منح السياسة اختراعاً أكثر أناقة.
ولم يعد النفوذ يحتاج إلى وسيط، ولا إلى حقيبة نقدية تُسلَّم في غرفة مغلقة، بل يكفي رمز رقمي، ومنصة تداول، وجمهور يشتري الحلم قبل أن يشتري الأصل، وفي كتاب "روح القوانين" لمونتسكيو : "تُظهر لنا التجربة المستمرة أن كل إنسان يمتلك سلطة يميل إلى إساءة استخدامها، ويتجه للمضي بها إلى أقصى حدودها الممكنة ما لم يجد حداً يقف عنده".
ولعل القرن 21 أضاف إلى هذه القاعدة القديمة فصلاً جديداً لم يكن ابن خلدون، ولا آدم سميث، ولا حتى ميلتون فريدمان، ليتخيلوه: أن يصبح المنصب العام نفسه أصلاً مالياً، وأن تتحول الشعبية السياسية إلى منتج استثماري يُباع ويُشترى بضغطة زر.
هكذا لم تعد العملات المشفرة مجرد ابتكار مالي، بل أصبحت، في بعض الحالات، مختبراً لاختبار الحدود الفاصلة بين السلطة والسوق. وكلما اتسعت شهية المستثمرين، أصبح السؤال أقل ارتباطاً بالتكنولوجيا وأكثر ارتباطاً بالسياسة: هل يدفع الناس ثمن الأصل الرقمي، أم يدفعون ثمن الاقتراب من صاحب السلطة؟.
والإجابة لا يقدمها الخطاب السياسي، بل تكشفها الأرقام. فالأرقام، على عكس الحملات الانتخابية، لا تحتاج إلى التصفيق. بل تتراكم بصمت، ثم تتحول إلى قصة يصعب تجاهلها، ففي الماضي، كان الباحثون عن النفوذ يقصدون أروقة السلطة حاملين ملفات العقود، أو ينتظرون عند أبواب الوزارات طلباً لامتياز أو احتكار أو إعفاء ضريبي. أما اليوم، فقد أصبح الطريق أكثر اختصاراً وأكثر أناقة في الوقت نفسه. لا حقائب ممتلئة بالنقود، ولا لقاءات سرية في الفنادق الفاخرة، بل رمز رقمي، ومحفظة إلكترونية، ومنصة تداول مفتوحة على مدار الساعة، يستطيع المستثمر من خلالها أن يضخ عشرات أو مئات الملايين في مشروع يحمل اسم رجل يجلس، أو يستعد للجلوس، في المكتب البيضاوي.
من هنا يبدأ الجدل الذي أثارته الإفصاحات المالية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فاللافت فيها ليس فقط حجم الإيرادات المعلنة، بل طبيعة مصدرها، وتوقيتها، والبيئة السياسية التي نشأت فيها. وهذه العناصر الثلاثة، عندما تجتمع في مشهد واحد، تجعل السؤال الأخلاقي أكبر بكثير من السؤال القانوني. فالمشهد يبدو حديثاً وكأنه من ابتكار وادي السيليكون، لكنه في جوهره قديم منذ ابتكارات السلطة نفسها. غير أن الأدوات تبدلت؛ فالرشوة، عندما ترتدي ثوباً رقمياً، لا تعلن عن نفسها بوصفها رشوة، والمصلحة الخاصة، عندما تختبئ خلف تقنية ناشئة، تبدو أحياناً وكأنها استثمار مشروع، بينما يظل السؤال الأخلاقي معلقاً في الهواء، لا يجد من يجيب عنه بصورة حاسمة.
إن القانون يبحث عن المخالفة، أما السياسة فتبحث عن الثقة، وبينهما مساحة رمادية واسعة، غالباً ما تكون أكثر تكلفة على الديمقراطيات من أي حكم قضائي، ومن هنا تحديداً تبدأ الحكاية، لحالة الإفصاحات المالية الأخيرة للرئيس الأمريكي ال 45 وال 47 دونالد ترامب والتي لم تكن مجرد وثيقة محاسبية مكونة من مئات الصفحات، فهي بالنسبة للمستثمرين كانت كشف حساب، وبالنسبة لخبراء الأخلاقيات العامة كانت اختباراً جديداً لقدرة المؤسسات الأمريكية على الفصل بين السلطة والمال، لكن بالنسبة للأسواق، فلم تكن أكثر من دليل إضافي على أن السياسة أصبحت أحد أكثر الأصول ربحية في الاقتصاد الرقمي. هذه الإفصاحات ليس حجم الأرقام وحده؛ فالأرقام الكبيرة لم تعد حدثاً استثنائياً في عالم التكنولوجيا أو التمويل. لكن الجديد هو أن جزءاً مهماً من هذه الثروة جاء من أصول رقمية لا تنتج سلعة، ولا تقدم خدمة، ولا تمنح مالكيها حقوقاً تقليدية في شركة أو مشروع ما، بل تستمد جزءاً كبيراً من قيمتها من الاسم الذي تحمله، ومن المكانة التي يحتلها صاحب ذلك الاسم في هرم السلطة.
من هنا تبدأ المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، فبينما كانت الحملات الانتخابية تتحدث عن إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، كانت الأسواق تكتشف نموذجاً مختلفاً لبناء الثروة؛ نموذجاً لا يعتمد على خطوط الإنتاج، ولا على براءات الاختراع، بل على تحويل النفوذ السياسي نفسه إلى قيمة قابلة للتداول، لتتحول لفكرة تبدو شديدة البساطة، لكنها تحمل في داخلها واحداً من أكثر الأسئلة تعقيداً في الاقتصاد السياسي الحديث: ماذا يحدث عندما يصبح القرار العام جزءاً من معادلة الربح الخاص؟. فالتربح المالي المعتمد على استغلال النفوذ السيادي لا يمثل مجرد إشكال قانوني محلي يرتبط بتضارب المصالح، بل هو تحول هيكلي في طبيعة الدولة الحديثة، بمعنى أنه عندما تُصبح أدوات المضاربة الرقمية والمنح الخارجية هي المصدر الأول لثروة رئيس الدولة، فإن ذلك يؤدي إلى "تآكل النزاهة المؤسسية"، وتراجع قدرة الدولة على صياغة سياسات خارجية مستقلة ومحايدة تقوم على المصالح الاستراتيجية العليا لا المكاسب الاستثمارية العائلية، وأكثر ما يلفت الانتباه أن أحداً لم يكن بحاجة إلى إخفاء المشهد. فكل شيء جرى تقريباً أمام الجميع؛ الإعلانات، والإصدارات الرقمية، والاستثمارات، والتصريحات المتفائلة، والتغطيات الإعلامية التي اعتاد بها العالم النظر إليها باعتبارها جزءاً من الحماس المحيط بالاقتصاد الرقمي، قبل أن تبدأ الصورة الكاملة في الظهور قطعةً بعد أخرى، ولأن الأسواق لا تعرف المشاعر، فقد وفع المستثمرون الصغار ثمن هذا الحماس، بينما كانت الأرباح قد تحققت بالفعل في أماكن أخرى. وهنا لا تبدو المفارقة مالية فقط، بل أخلاقية أيضاً؛ إذ يتحول التفاؤل الذي بيع للجمهور إلى أُناس أخرين لا يعلمونهم. لهذا لم يعد النقاش الحقيقي يدور حول العملات المشفرة نفسها، بل حول نموذج جديد من رأسمالية النفوذ، حيث لا تكون الثروة نتيجة للسلطة فحسب، بل تصبح السلطة نفسها المنتج الأكثر رواجاً في السوق.
وبالتحليل أكثر.. في أواخر نوفمبر من عام 2024، عندما استثمر الملياردير الصيني الأصل، جاستن صن، 3 مليون دولار لأول مرة في مشروع عملات رقمية مضاربية مرتبطة بدونالد ترامب –كان حينها رئيساً مُنتخباً – بدا الأمر في ظاهره وباطنه كأنه شكل من أشكال الرشوة المقنعة، ليبيع قبل وقت قصير من فوزه بالانتخابات، رموز رقمية (Tokens) صادرة عن شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، وهي شركة أسسها مع صديقه ستيف ويتكوف ونجليهما، وإنشاء منصة غير واضحة المعالم لاقتراض وإقراض الأموال الرقمية؛ ولم تحمل هذه الرموز أي وعود بالملكية في أي شيء، ولم يكن بالإمكان إعادة بيعها أو تداولها، ولم تمنح مالكيها سوى حق التصويت في تاريخ غير محدد مستقبلاً بشأن ما ستفعله الشركة بالفعل، لكن التفاصيل الدقيقة كشفت أن 75% من عائدات مبيعات هذه الرموز ذهبت مباشرة إلى جيوب ترامب وعائلته.
وبمجرد تولي ترامب منصبه، أعلنت الهيئات الفدرالية للأوراق المالية أنها تفاوضت على تسوية مع الصيني صن. وعلى الرغم من أن مخططاته الاحتيالية في مجال التشفير قد درّت عليه ما يُزعم 31 مليون دولار، إلا أن المنظمين، في مارس، أسقطوا التهم مقابل غرامة بسيطة نسبياً بلغت 10 ملايين دولار، مما أثار تساؤلات جدية حول مقايضة محتملة أو صفقة متبادلة، ومع ذلك، لم تنتهِ قصة أعمال صن مع ترامب نهاية سعيدة. إذ رفع صن دعوى قضائية ضد شركة "وورلد ليبرتي" بتهمة الاحتيال، وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أدان صن الشركة ووصفها بأنها "الطغيان العالمي"، لترفع "وورلد ليبرتي" دعوى مضادة ضد صن بتهمة التشهير، زاعمة أنه تآمر للمراهنة على انخفاض أسعار رموزها.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أصدر ترامب تقريراً للإفصاح المالي الشخصي يقع في 927 صفحة عن عام 2025، يكشف فيه عن المكاسب المالية غير المتوقعة التي جناها من عودته إلى البيت الأبيض، وقد سجل التقرير أرباحاً تجاوزت 2.2 مليار دولار، ارتفاعاً من 622 مليون دولار في عام 2024، وهي قفزة في الأرباح لا مثيل لها في التاريخ الرئاسي الأمريكي. وجاءت أكثر من 1.4 مليار دولار من تلك الأرباح من الرموز الرقمية أو الاستثمارات المشابهة لتلك التي باعها ترامب لصن، بما في ذلك نحو 800 مليون دولار مرتبطة بـ "وورلد ليبرتي" وأكثر من 600 مليون دولار يبدو أنها قادمة من الشراكة التي باعت عملات الميم الخاصة به، وفي مثال صارخ آخر، يبدو أن ترامب قد أعلن عن عائدات تبلغ نحو 263 مليون دولار من البيع السري لنصف حصته في شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، عشية تنصيبه، للعائلة الحاكمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويبدو أن تقرير إفصاح ترامب يقر بهذه المدفوعات، حيث أعلن عن 66 مليون دولار كـ "بيع أسهم" و197 مليون دولار كـ "مساهمة رأسمالية"، دون تسمية المصدر الفعلي للأموال).
وقفة:
"إن أخطر ما يهدد الدول ليس أن يمتلك الساسة المال، بل أن يصبح المال هو اللغة التي تُقرأ بها السياسة.". فالخيط الناظم والنهج الثابت لمسيرة ترامب المهنية كان دائماً يقوم على فكرة أنه "لا يهم ما يحدث لأي شخص آخر، طالما أنه يتقاضى أجره". وتكشف أرباحه البالغة 2.2 مليار دولار العام الماضي أن البيت الأبيض قد تحول إلى ركيزة ودعامة قوية وفريدة من نوعها للتسويق والترويج لصفقات ترامب التجارية الخاصة.









