لطالما ارتبط اسم بنيامين نتنياهو بالقدرة على المناورة السياسية وصناعة الكذب وخلق الأزمات الخارجية، وبناء تحالفات قوية ضمن اليمين الإسرائيلي. على مدى عقود، استندت هيمنته إلى استراتيجية واضحة: إدارة الصراعات الخارجية ببراعة، وتأجيل الأزمات الداخلية، معتمداً على "كتلة صلبة" تجمع بين اليمين القومي، اليمين الاستيطاني العقائدي، والأحزاب الدينية الحريدية. هذه الكتلة كانت بمثابة الدرع الذي يحمي بقاءه السياسي.
لكن استمرار المواجهات العسكرية على جبهات متعددة، وتصاعد الكلفة البشرية والاقتصادية لهذه الحروب، كشفا عن هشاشة هذه المعادلة. لم تعد التهديدات الخارجية هي الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه إسرائيل. بل برزت أزمة بنيوية داخلية عميقة تتعلق بالعقد الاجتماعي وتوزيع الأعباء، لتصبح قاطرة حقيقية لتفكيك الداخل الإسرائيلي، ناقلة إياه من مطرقة الحرب إلى سندان التماسك المجتمعي المهدد.
انكسار المعسكر الطبيعي: صدع أيديولوجي يهز اليمين
أحدثت الحرب الأخيرة زلزالا عنيفاً داخل مكونات اليمين الإسرائيلي، فجّرت معه الخلاف التاريخي المؤجل بين التيارين الدينيين الرئيسيين في الائتلاف الحاكم:
عقيدة "الانفصال الثقافي" للحريديم: تجلت رؤية الحريديم في أوج صراحتها على لسان قادتهم، مثل الحاخام دوف لاندو. هؤلاء يرفضون اعتبار الدولة والجيش قيمتين مقدستين، وينظرون إلى المعاهد الدينية اليشيفوت كحصن استراتيجي ووجودي لحماية الشعب اليهودي. بالنسبة لهم، التجنيد الإجباري ليس سوى محاولة لذوبان ثقافي وإنهاء قسري لهويتهم المتفردة.
عقيدة "الدم والتضحية" للصهيونية الدينية: في المقابل، يرى تيار "الكيباه المحبوكة" أن الخدمة العسكرية جزء لا يتجزأ من التكليف الديني ومسار "الخلاص". ومع تقديم هذا التيار نسبة مرتفعة جداً من القتلى والمصابين في صفوف ضباط وجنود الاحتياط، نشأت حالة سخط عارمة. هذا السخط موجه ضد دعم قياداتهم السياسية سموتريتش وبن غفير لقوانين إعفاء الحريديم من الخدمة، مما أدى إلى تآكل الشرعية الأخلاقية لهذا التحالف اليميني الذي بدا متيناً.
يمكن تلخيص هذه الأزمة في نقطة محورية: أزمة التجنيد والعبء العسكري. فبينما يرى الصهاينة المتدينون التضحية والخدمة واجباً دينياً، ويشعرون بالسخط من التكلفة البشرية التي يدفعونها، يتمسك الحريديم بالتوراة كدرع وجودي حصري لهم، ويرفضون الانخراط المؤسسي في الجيش. هذا التناقض العميق يهدد بتفكيك "الكتلة الصلبة" التي اعتمد عليها نتنياهو.
انسداد الآفاق الائتلافية ومأزق نتنياهو القانوني
يجد نتنياهو نفسه اليوم مكبلا بمعادلة مستحيلة، تجعل بقاءه السياسي رهيناً بتناقضات لا يمكن التوفيق بينها:
الشرط الوجودي للحريديم: تصر أحزاب شاس ويهدوت هتوراه على إقرار قانون يضمن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، واستعادة التمويل الحكومي لمؤسساتهم، كشرط أساسي لاستمرارهم في الحكومة.
فيتو المحكمة العليا "باغاتس": أنهت القرارات القضائية المتتالية فترة "الإعفاء التلقائي"، وجمدت الميزانيات المخصصة للمعاهد غير الملتزمة. هذا يضع الائتلاف أمام مسار قانوني لا يمكن تجاوزه إلا بقانون جديد، وهو ما يرفضه الجيش وقطاعات واسعة داخل حزب الليكود واليمين الأمني.
هذا المأزق الشائك أدى إلى شلل تام في قدرة نتنياهو على القيادة الاستراتيجية، فبدلا من حسم المعارك الوجودية على الجبهات الخارجية، أصبحت قراراته العسكرية والسياسية محكومة بضرورة الحفاظ على تماسك ائتلاف متهالك، مما يفقده القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة.
صعود "اليمين الأمني المملكي" وإعادة هيكلة الخريطة الحزبية
هذا الشلل السياسي فتح الباب أمام بروز مشروع سياسي جديد، يقوده أقطاب اليمين الأمني مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، بالإضافة إلى شخصيات من الوسط المؤسسي كغادي آيزنكوت ويائير لابيد. يعتمد هذا المشروع على استراتيجيات محددة:
تغيير محور الاستقطاب: يسعى هذا التيار لنقل المعركة الانتخابية من صراع شخصي حول "نعم أو لا لنتنياهو" إلى صراع أيديولوجي بين "تحالف صهيوني أمني يحمل أعباء الدولة" و"ائتلاف مصلحي يشجع على التهرب وينتهك العقد الاجتماعي".
سحب البساط من اليمين الراديكالي: يهدفون إلى استقطاب الأصوات المترددة داخل الصهيونية الدينية واليمين الليبرالي، من خلال صياغة خطاب أمني صارم تجاه الأعداء الخارجيين، مع التمسك المطلق بمبدأ "التجنيد المتساوي" وسيادة القانون.
تحالف "معاً" بيحاد: يسعى بينيت ولابيد من خلال هذا التحالف إلى بناء نواة "تكتل صهيوني عريض" قادر على تأمين أكثر من 61 مقعداً في الكنيست، دون الحاجة للتحالف مع الأحزاب الحريدية التي تفرض شروطاً قاسية. يستفيدون من نقاط الثقل الانتخابي، على الرغم من التناقضات الأيديولوجية الكامنة بين الطرفين حول الملف الفلسطيني والعلاقة بين الدين والدولة.
مشروع "يشار" وقانون "الخدمة للجميع": فرض سلطة الدولة
في قلب هذا التحول، يبرز دور غادي آيزنكوت وحزبه "يشار" مستقيم، الذي يشكل المرساة الأخلاقية والأمنية لمعسكر التغيير. لم يعد طرح آيزنكوت مجرد شعارات سياسية، بل تحول إلى مشروع إداري محكم يُعرف بـ "قانون الخدمة للجميع"، والذي يرتكز على محاور أساسية:
سحب صلاحيات الإعفاء من الحاخامات: يقترح القانون إنشاء إدارة تجنيد حكومية مستقلة تتولى تنظيم عملية التجنيد وفقاً لاحتياجات الجيش الفعلية، ملغية بذلك آلية التقرير الذاتي للمعاهد الدينية.
كوتا صارمة للنوابغ 3%: يحصر القانون التأجيل الديني الدائم بنسبة لا تتجاوز 3% فقط من "المتميزين في دراسة التوراة"، ويخضع بقية الفئات للتجنيد الإجباري أو الخدمة المدنية الإلزامية.
الرقابة البيومترية والميدانية: يفرض القانون آليات تتبع إلكترونية وبصمة بيومترية لضمان حضور الطلاب الملتزمين فعلياً بالدراسة في المعاهد، مع تطبيق عقوبات مالية وإدارية فورية على المعاهد التي تتجاوز هذه القواعد، وعلى الأفراد المتهربين من الخدمة.
الخلاصة: التفكك الداخلي كتهديد وجودي مباشر
إن فشل بنيامين نتنياهو في حسم معركة الوجود الإسرائيلي لا يعود فقط إلى تعقيدات الظروف الميدانية والإقليمية، بل إلى استنزاف الجبهة الداخلية وتفكيك العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة. لقد أدت محاولات صيانة الائتلاف الحاكم على حساب المؤسسة العسكرية والعدالة التوزيعية للأعباء إلى:
تحول الأحزاب الحريدية من شريك ائتلافي دائم إلى خصم يهدد استقرار المؤسسة العسكرية بشكل مباشر.
تآكل معسكر اليمين التقليدي لصالح تشكيلات "يمينية أمنية" ومؤسسية جديدة، تعيد رسم الخريطة السياسية.
انتقال الصراع الإسرائيلي من خانة "مواجهة التهديدات الإقليمية" إلى أزمة هوية وشرعية مؤسسية داخلية عميقة، قد تكون نتائجها أشد خطورة وتسبق أي تحول في الميدان العسكري الخارجي.









