في مشهد يحمل دلالات تتجاوز مجرد انتقال قيادي، انتخبت حركة حماس الدكتور خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي هذا الاختيار ليس حدثاً تنظيمياً عابراً، بل هو محطة فارقة في تاريخ الحركة، وفي مسار الصراع مع الاحتلال. إنه إعلان عن هوية المرحلة القادمة، وتأكيد على أن دماء غزة هي التي ترسم خريطة القيادة، لا أروقة الفنادق في العواصم البعيدة.
لم تأتِ هذه الانتخابات في لحظة اعتيادية. فالحركة تخوض حرب إبادة مفتوحة، وقادتها هدف مكشوف لآلة اغتيال إسرائيلية لا تتوقف. ففي ظل هذا المشهد، يثبت إنجاز الاستحقاق المؤسسي أن حماس ليست مجرد فكرة عابرة، بل كيان رسخ مؤسساته في أصعب الظروف. وحين يتنافس على المنصب كل من خليل الحية، الرجل الذي يسكن الخنادق في غزة، وخالد مشعل، قائد ساحة الخارج فإن نتيجة التصويت في غزة، التي كانت كاسحة لصالح الحية لم تكن مجرد ترجيح لكفة مرشح على آخر، بل كانت حكماً من ساحة المعركة ذاتها.
فخليل الحية ليس قادماً من رحم الدبلوماسية الباردة هو رجل صنعته النيران ولد عام 1960 في غزة، وشهد الاحتلال منذ نعومة أظفاره لكن ما يميز مساره حقاً هو سجل التضحية الذي لا يضاهيه سجل فبين عامي 2007 و2026 فقد أربعة من أبنائه (أسامة، حمزة، همام، عزام) في غارات إسرائيلية متفرقة في 2008 اغتيل نجله حمزة في 2014 قصفت إسرائيل منزل نجله أسامة، فارتقى مع زوجته وثلاثة من أبنائه في 2025 اغتيل نجله همام في غارة على الدوحة وفي مايو 2026 أي قبل أسابيع من انتخابه اغتيل نجله عزام في غارة شرق غزة هذا الرجل الذي فقد عائلته مراراً وهو يقف ليودع أبناءه لم يخرج ليصرخ أو يندب بل كان يكرر ذات الرسالة: "إن عائلتي جزء من نسيج الشعب الفلسطيني الذي يدفع الثمن نفسه". هذا هو الفرق انه قائد خرج من عمق المعاناة الجماعية.
حين نبحث عن خليل الحية هذا الرجل لا يسكن إلا في قلب المعركة واسمه مسجل على كل حجر في غزة حين يودع الحية ابنه الرابع يرفع رأسه كالثائر الذي يعلم أن دماء أبنائه ليست مأساة خاصة بل وقود مشتعل في طريق التحرير اسألوا الاحتلال: كيف يغتال أربعة من أبناء قائد فيعود القائد ليتربع على كرسي الرئاسة؟ الجواب أن حماس تنتخب من دفع ثمن القيادة مراراً وتكراراًحتى صار جسده ميداناً للصبر، وصار فوزه إعلاناً أن الموت لا يهزم من تبنّى ارادة النصر و الحياة لغيره هذا هو نضال الحية: ليس خطاباً في مؤتمر، بل جثامين أبناء تتحول إلى رايات، وألم شخصي يتبخر في لحظة وطنية.
ثمة من يرى في انتخاب الحية شيء عادي ولكن في الحقيقة أن الرجل الذي قاد وفد حماس في مفاوضات القاهرة 2024 وأدار ملف التهدئة في معارك سابقة هو ذاته من أدار مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى منذ أكتوبر 2023. الحية ليس صوت المجاهدين فقط بل هو مهندس الدبلوماسية الميدانية، صلة الوصل بين القرار السياسي والمعطيات الميدانية، وحلقة الوصل الإقليمية التي أبقت قنوات التفاوض مفتوحة حتى في أتون الحرب.
ما حدث في انتخابات حماس هو أكثر من مجرد اختيار قائد. إنه رسالة إلى العالم بأن هذه الحركة، ورغم كل محاولات الاغتيال والتصفية الجسدية التي طالت قادتها من أحمد ياسين إلى إسماعيل هنية ويحيى السنوار، لا تزال قادرة على تجديد دمائها وشرعيتها إنها رسالة إلى الداخل الفلسطيني بأن النهج المؤسسي والديمقراطي، الذي يجري بهذه السرية والحرفية رغم الملاحقات، هو النموذج الأجدى لتجديد الشرعية، بعيداً عن سياسات التفرد وفرض الأمر الواقع. والأهم، أنها رسالة إلى الاحتلال بأن استهداف القيادة لا يمحو الحركة، بل يفرز قيادات جديدة من رحم الألم ذاته.إن انتخاب خليل الحية رئيساً لحماس ليس مجرد تغيير في بطاقة هوية قائد بل هو مفهوم جديد في مفهوم القيادة في الشرق الأوسط
هذا الرجل الذي فقد أربعة من أبنائه في غارات الاحتلال والذي رأى منزله يهوي على رأسه مراراً لم يصل إلى الكرسي بمال ولا بغلاف إعلامي ولا بولاءات خارجية، وصل إليه لأن حماس اختارته والمقاومة لا تختار إلا من دفع الفاتورة كاملة
الحية يرمز إلى تحول جذري في حماس فالحركة التي كانت تقدم نفسها كحركة تحرر وطني، أصبحت اليوم حركة تضحية وجودية قائدها ليس استراتيجياً بارعاً فحسب بل رمزاً للصبر الجماعي إنه يعيد تعريف القيادة: ليست من يملك الحلول، بل من يملك القدرة على التحمل مع شعبه ليس من يدير الأزمات من بعيد بل من يعيشها في جسده وعائلته
هذا الانتخاب يحمل ثلاثة رسائل قاسية
الأولى للاحتلال: اغتيال القادة لا يوقف الحركة، بل يخلق قادة من نوع آخر، أكثر تشبثاً، وأقل خوفاً، وأعمق جذوراً في الشارع
الثانية للداخل الفلسطيني: من يظن أن حماس منهكة أو منشغلة ببقائها السياسي، فهو واهم، هذه الحركة تجدد دماءها باستمرار وتنتخب قادتها في أصعب الظروفبينما يتخبط الآخرون في صراعات التفرد والمصالح الضيقة
الثالثة للعالم العربي: من يراهن على تفكك حماس أو تراجعها عليه أن يعيد حساباته هذا الكيان أثبت أنه أكثر مرونة وشرعية من كثير من الأنظمة الرسمية التي تتهاوى بأول صدمة.
لنقف عند المغزى العميق لانتخاب الحية فهو لا يتعلق بشخصه وحده بل بمنطق القيادة الجديد الذي تفرضه الوقائع في عصر يموج بالصراعات الزائفة فالحية لم يأتي من رحم التنظير السياسي ولا من مدارس الدبلوماسية الغربية بل جاء من رحم المعاناة الفلسطينية الأصيلة
إن اختيار الحية يعني أن حماس اختارت بوضوح أن تكون حركة متجددة انتخب الحية في حالة نضالية متكاملة تجمع بين الميدان والتفاوض والتضحية والشعبية وهذا مكسب استراتيجي نادر في زمن تتشظى فيه المشاريع الوطنية وتتحول فيه المقاومة إلى مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات
لكن الثمن الذي دفعته عائلة الحية يذكرنا بأن القيادة في هذا السياق ليست مجرد منصب بل تضحية متواصلة وأن غزة تدفع كل يوم ثمناً لا تستطيع أي عاصمة عربية أن تدفعه وهذا هو الفارق بين من يملك الشرعية لأنه استحقها ومن غير ذلك.
فإذا كان العالم يتساءل عن مستقبل حماس فالإجابة واضحة حماس اليوم أكثر رسوخاً من أي وقت مضى لأنها اختارت قائداً لا يخاف الموت ولا يهاب الاغتيال ولا يبحث عن منصة إعلامية بل يبحث عن تحرير وطنه ولو بقي وحيداً في الميدان
ختاماً، انتخاب الحية يعني أن غزة اليوم ليست مجرد ساحة معركة بل هي معيار للقيادة الفلسطينية من يريد أن يقود عليه أن يمر من هناك ومن يرفض دفع الثمن، فليبتعد عن الطريق لأن المقاومة لا تنتخب سوى من يحمل راية التحرير بيدٍ التضحيات باليد الأخرى
إن فوز خليل الحية هو اعتراف من حماس بأن مستقبلها يرتبط ارتباطاً كبيرا بقطاع غزة ساحة المعركة الأكثر إنه القائد الذي يجمع بين تجربة التفاوض وخبرة المقاومة، وبين الحضور السياسي والإعلامي، وبين التضحية الشخصية والقدرة على القيادة في الظروف الاستثنائية. حين يخرج الحية من بين ركام بيته المدمر، وحين يفقد أبناءه واحداً تلو الآخر ويواصل طريقه، فهو يقدم نموذجاً للقيادة لا يشتريها المال ولا تصنعها المؤتمرات، بل تنتجها المعاناة المشتركة والإرادة الفولاذية. غزة اليوم تختار قيادتها، والأمة أمام مشهد يختصر معنى الصمود.









