غزة.. تصعيد الاستيطان والاعتداءات في الضفة: استراتيجية "الحسم" من طولكرم إلى الخليل
غزة.. لم يكن يوم الأحد يوماً عادياً في الضفة الغربية، بل كان تجسيداً لسياسة التكامل بين "إرهاب المستوطنين" وحماية "جيش الاحتلال"، تحت غطاء سياسي رسمي مباشر. من بلدة بيت ليد شرق طولكرم، وصولاً إلى منطقة طاروسا في الخليل، رسمت الأحداث مشهداً قاتماً يعكس تسارع الخطى الإسرائيلية لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد، يهدف إلى تمزيق أوصال ما تبقى من الأرض الفلسطينية.
تفاصيل اعتداءات "فتية التلال"
في طولكرم، وتحديداً في بلدة بيت ليد، لم يكتفِ المستوطنون بالتواجد الاستفزازي، بل تحولت تحركاتهم إلى اعتداءات جسدية مباشرة. أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بتعرض ثلاثة مواطنين لإصابات متوسطة نتيجة الضرب المبرح.
غزة.. تصعيد الاستيطان والاعتداءات في الضفة: استراتيجية "الحسم" من طولكرم إلى الخليل
هذا النمط من الاعتداءات يندرج تحت ما يسمى "الترهيب الجسدي"، الذي يهدف إلى دفع المزارعين والسكان لإخلاء مناطقهم المحاذية للمستوطنات القائمة لتوسيع "المناطق العازلة".
دور الفرق الطبية في الميدان
تُظهر تقارير الهلال الأحمر أن الطواقم الطبية باتت تعمل تحت نارين: نار الاعتداءات المباشرة، ونار إعاقة الوصول. في بيت ليد، تم تقديم الإسعافات الأولية ميدانياً قبل نقل المصابين للمشافي، وهو ما يعكس الجاهزية الطبية الفلسطينية في مواجهة حرب استنزاف يومية.
الشمعدان والطقوس التلمودية: أدوات "الاستعمار الثقافي"
نصب الشمعدان وأداء الطقوس التلمودية في مناطق فلسطينية مأهولة هو جزء من استراتيجية "تهويد الحيز المكاني". هذه الطقوس تُستخدم كمبرر تاريخي وديني لمصادرة الأراضي، وتحويل الفضاء العام الفلسطيني إلى فضاء ديني يهودي بقوة السلاح.
ترافق الاقتحام مع إجبار أصحاب المحال التجارية في دير سامت على الإغلاق. هذا "العقاب الجماعي" يهدف إلى ضرب البنية الاقتصادية للقرى الفلسطينية، وجعل تكلفة العيش في هذه المناطق باهظة جداً، مما يدفع الشباب للهجرة نحو مراكز المدن أو الخارج.
أغلقت قوات الاحتلال الطريق الواصل بين دورا والقرى الغربية لأكثر من ساعتين. هذا الإجراء ليس أمنياً كما يدعي الاحتلال، بل هو تمرين على "الفصل العنصري" (Apartheid)، حيث تُخصص الطرق للمستوطنين وتُغلق أمام أصحاب الأرض، مما يحول القرى إلى سجون مفتوحة.
أشار التقرير إلى قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي بإنشاء مستوطنة "ناحال دورون" على أراضي طاروسا. هذا القرار هو جزء من خطة أوسع لإنشاء 19 مستوطنة جديدة في عمق الضفة الغربية.
إن إنشاء 19 مستوطنة دفعة واحدة يعني الانتقال من مرحلة "التوسع الطبيعي" إلى مرحلة "الإغراق الاستيطاني"، وهي المرحلة النهائية لإجهاض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
بيت عوا.. استكمال حلقة الترهيب
لم تنجُ بلدة بيت عوا من آلة القمع، حيث اقتحمتها قوات الاحتلال وانتشرت في شوارعها. هذا النمط من الاقتحامات المتكررة يهدف إلى جمع المعلومات الاستخباراتية عبر مراقبة تحركات المواطنين والاستنزاف النفسي و إشعار الفلسطيني بالخوف الدائم داخل منزله وبيئته وتأمين حركة المستوطنين عبر تحويل البلدات الفلسطينية إلى مناطق عسكرية مغلقة عند مرور أي قافلة استيطانية.
وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، يُحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة. ما يحدث في الخليل وطولكرم هو "جريمة حرب" موصوفة بموجب ميثاق روما الأساسي.
التقارير التي توثق اعتداءات المستوطنين بحماية الجيش تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. إن تقاعس الجنائية الدولية عن إصدار مذكرات توقيف بحق "وزراء الاستيطان" مثل ستروك وسموتريتش يشجع على استمرار هذه الانتهاكات.
إن المشهد في الضفة الغربية اليوم يتجاوز مجرد "اعتداءات عابرة"؛ إنه صراع على الوجود. من بيت ليد التي تنزف، إلى الخليل التي تُنهب أراضيها لزرع "ناحال دورون"، يتضح أن المشروع الصهيوني انتقل إلى مرحلة "الحسم الجغرافي". إن صمود المواطن الفلسطيني في دير سامت وبيت عوا هو خط الدفاع الأخير عن هوية هذه الأرض.
تأتي الاعتداءات المتصاعدة في طولكرم والخليل ضمن ما يُعرف بـ "خطة الحسم" التي يتبناها اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتهدف إلى إنهاء الصراع بدلاً من إدارته عبر فرض سيادة كاملة على مناطق (ج).
وتاريخياً، شهدت الضفة الغربية تحولاً من "الاستيطان الهامشي" إلى "الاستيطان المؤسسي" المدعوم بوزارات سيادية. ومنذ عام 1967، زرع الاحتلال أكثر من 150 مستوطنة و120 بؤرة رعوية، يسكنها نحو 700 ألف مستوطن.
وتعد منطقة غرب الخليل وطولكرم أهدافاً استراتيجية لربط العمق الإسرائيلي بالمستوطنات، مما يحول القرى الفلسطينية إلى جيوب معزولة، ويقضي نهائياً على حل الدولتين عبر "الإغراق الديموغرافي".










