اشتباكات حلب.. هل اقتربت ساعة الحسم لإنهاء 'المربعات الأمنية' في الشيخ مقصود والأشرفية؟
شهدت مدينة حلب، تصعيداً عسكرياً مفاجئاً مساء اليوم حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين وحدات من الجيش العربي السوري ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وتركزت المواجهات في المحاور المحيطة بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين يشكلان جيباً استراتيجياً في قلب المدينة، مما أثار مخاوف السكان من عودة شبح الحرب المدنية إلى أحياء حلب التي لم تتعافَ بعد من آثار الصراعات السابقة.
أحياء حلب الشمالية.. الجغرافيا السياسية المتوترة
تعتبر أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب حالة فريدة في الجغرافيا السورية منذ اندلاع الأزمة؛ إذ تخضع هذه الأحياء ذات الغالبية الكردية لسيطرة "وحدات حماية الشعب" (العمود الفقري لقوات قسد)، رغم وقوعها في قلب مدينة تسيطر عليها الدولة السورية.
هذه العلاقة التي اتسمت بالـ "تعايش الاضطراري" لسنوات، كانت تنفجر دورياً في صراعات مسلحة لأسباب تتعلق بالمعابر، أو الحواجز، أو النفوذ الأمني.
في عام 2025، ومع تغير التوازنات الدولية والإقليمية، وتزايد الضغوط التركية من جهة، ورغبة دمشق في بسط سيادتها الكاملة على مراكز المدن الكبرى من جهة أخرى، يبدو أن قواعد الاشتباك القديمة قد انهارت.
إن تجدد المعارك اليوم ليس مجرد حادث أمني عابر، بل هو انعكاس لتوترات عميقة تتعلق بـ "المربعات الأمنية" والحصار المتبادل؛ حيث تفرض "قسد" أحياناً قيوداً على دخول الطحين والمحروقات للمناطق الحكومية رداً على تضييقات مماثلة في ريف حلب الشمالي (منطقة الشهباء).
اشتباكات حلب.. هل اقتربت ساعة الحسم لإنهاء 'المربعات الأمنية' في الشيخ مقصود والأشرفية؟
هذه الاشتباكات تضع حلب أمام مفترق طرق خطير: فإما التهدئة عبر وساطات (غالباً ما تكون روسية)، أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة تقوض استقرار المدينة وتضاعف معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين في خطوط النار بين حيي الشيخ مقصود والأشرفية وبقية أحياء المدينة.
تفاصيل الميدان.. كيف بدأت شرارة الاشتباكات؟
وفقاً لمصادر محلية وشهود عيان من داخل مدينة حلب، بدأت المواجهات باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، قبل أن تتطور إلى تبادل للقصف بقذائف "الهاون" في المناطق الفاصلة.
تركزت الاشتباكات عند نقاط التماس في محيط حي الشيخ مقصود، وتحديداً في جبهات (شقيّف، السكن الشبابي، وطريق الكاستيلو). كما شهد حي الأشرفية تبادلاً لإطلاق النار من جهة "دوار السبع بحرات" والمباني المطلة على الأحياء السكنية.
وتضاربت الأنباء حول السبب المباشر؛ فبينما تتحدث مصادر مقربة من "قسد" عن محاولات تقدم بري للجيش السوري تجاه نقاطها الأمنية، تؤكد مصادر عسكرية سورية أن التحرك جاء رداً على استفزازات قامت بها عناصر من "الأسايش" (الأمن الكردي) تجاه حواجز الجيش عند المداخل المؤدية إلى الأحياء المذكورة.
الواقع الإنساني.. سكان حلب تحت وطأة الرصاص
تسببت الاشتباكات في حالة من الشلل المروري في شوارع حلب الشمالية، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية تماماً أمام حركة المدنيين والسيارات.
وسجلت ساعات المساء حركة نزوح للعائلات القاطنة بالقرب من خطوط التماس باتجاه الأحياء الأكثر أماناً في عمق المدينة.
وأطلقت المشافي القريبة نداءات لتأمين وحدات الدم، وسط أنباء عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين نتيجة الرصاص الطائش والقذائف العشوائية التي سقطت على المباني السكنية.
وأدت المواجهات إلى انقطاع جزئي في شبكة الكهرباء وخطوط الإنترنت في المناطق الساخنة نتيجة تضرر الكابلات الرئيسية.
يرى المحللون العسكريون أن تجدد القتال في حلب يحمل أبعاداً استراتيجية حيث يسعى الجيش السوري لإنهاء ظاهرة "الجزر الأمنية" داخل مراكز المدن، معتبراً أن وجود قوات مسلحة غير تابعة للدولة داخل حلب لم يعد مقبولاً في ظل التوجه لإعادة بسط سلطة القانون و تستخدم قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على أحياء في حلب كورقة ضغط لمواجهة أي تحركات عسكرية سورية أو روسية في مناطق شرق الفرات أو ريف حلب الشمالي.
ويبدو أن الوساطة الروسية التي كانت تضبط إيقاع الخلافات في حلب تواجه صعوبات، أو ربما تعمد موسكو لرفع يدها جزئياً للسماح للجيش السوري بتحسين شروطه الميدانية.
موقف القوى الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل ما يحدث في حلب عن المشهد السوري العام 2025 حيث تراقب أنقرة الوضع باهتمام كبير، حيث تشكل هذه الاشتباكات فرصة لها لإضعاف "قسد" دون تدخل مباشر، وقد تستغل الفوضى لتنفيذ ضربات جوية في مناطق أخرى وتعمل كـ "إطفائي" للحرائق في حلب، حيث تجري اتصالات مكثفة لفرض تهدئة فورية ومنع خروج الأمور عن السيطرة، لما لذلك من انعكاسات سلبية على اتفاقات التهدئة الكبرى.
إن تجدد الاشتباكات في محيط الشيخ مقصود والأشرفية يعيد تذكير العالم بأن الأزمة السورية لا تزال "جمرة تحت الرماد". مدينة حلب التي صمدت في وجه سنوات الحصار، تجد نفسها اليوم رهينة لصراع نفوذ بين شركاء الضرورة وأعداء المصلحة.
ويبقى المدني السوري هو الخاسر الأكبر، بانتظار حلول سياسية جذرية تنهي ظاهرة المربعات الأمنية وتحقن الدماء في شوارع "الشهباء".










