حذّر الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، الباحث في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، من أن المؤشرات الاقتصادية المسجّلة في قطاع غزة خلال عام 2025 لا تعبّر عن أزمة دورية أو اختلال مؤقت، بل تكشف عن انهيار بنيوي كامل أصاب أسس الاقتصاد، وأخرج القطاع فعليًا من دائرة النشاط الاقتصادي المنظم.
ويؤكد أبو قمر أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في عمق التراجع، بل في طبيعته الهيكلية، إذ لم تعد المشكلة محصورة في تراجع النمو أو شح السيولة، وإنما في تفكك منظومة الإنتاج والدخل والعمل معًا، بما يجعل أي حديث عن تعافٍ قريب أقرب إلى الوهم في ظل الواقع القائم.
بطالة بلا أفق
ويشير أبو قمر إلى أن تجاوز نسبة البطالة حاجز 77% يمثل أول وأخطر مؤشرات الانهيار، إذ يعني ذلك عمليًا غياب قدرة السوق على توليد فرص دخل، ليس فقط في الحاضر، بل في المستقبل المنظور كذلك.
هذا المستوى غير المسبوق من البطالة يعكس، بحسب الباحث، انهيار الطلب على العمل من جهة، وفقدان الثقة بإمكانية العثور على وظيفة من جهة أخرى، وهو ما يفسّر تحوّل البطالة من ظاهرة اقتصادية إلى حالة اجتماعية عامة تطال الغالبية الساحقة من السكان.
سقوط الناتج المحلي
ويضيف الباحث أن الانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 84% مقارنة بعام 2023 يضع اقتصاد غزة في خانة الاقتصادات المنكوبة، مشيرًا إلى أن هذا التراجع أعاد الاقتصاد سنوات طويلة إلى الوراء، بل وأسقطه إلى مستويات ما قبل تشكّل أي بنية إنتاجية مستقرة.
ويؤكد أبو قمر أن هذا الانهيار لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بانعكاساته المباشرة على قدرة المجتمع على إعادة الإنتاج الذاتي، حيث فقد الاقتصاد وظائفه الأساسية في خلق القيمة، وتحول إلى اقتصاد بقاء يعتمد على المساعدات والحد الأدنى من التدفقات الإنسانية.
تفكك القطاعات الإنتاجية
ويلفت أبو قمر إلى أن أخطر ما في المشهد يتمثل في تفكك القطاعات الإنتاجية نفسها، حيث تراجع قطاع الإنشاءات بنسبة 99%، والصناعة بنسبة 94%، والزراعة بنسبة 92%، وهي قطاعات تشكّل تقليديًا العمود الفقري لأي اقتصاد قادر على الصمود.
ويشرح أن انهيار هذه القطاعات يعني عمليًا فقدان أدوات التعافي، لأن الاقتصاد لا ينهار فقط من حيث الناتج، بل من حيث القدرة على إعادة البناء، في ظل تدمير رأس المال المادي، وتعطّل سلاسل التوريد، وغياب أي بيئة استثمارية.
انسحاب من سوق العمل
ويشير الباحث إلى أن انخفاض نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى 38% يعكس مرحلة أخطر من البطالة، حيث لم يعد المواطنون عاطلين عن العمل فحسب، بل توقفوا عن البحث عنه أساسًا، في تعبير صارخ عن فقدان الأمل الاقتصادي.
ويرى أبو قمر أن هذا المؤشر يحمل دلالات اجتماعية ونفسية عميقة، إذ يتحول الانسحاب من سوق العمل إلى حالة عامة، تُضعف رأس المال البشري، وتؤسس لاقتصاد معطّل حتى لو توقفت أسباب التدمير المباشر.
عزلة تجارية خانقة
ويؤكد أبو قمر أن تراجع حصة غزة من التجارة الخارجية إلى أقل من 4% عمّق العزلة الاقتصادية، وأغلق فعليًا أي نافذة للتبادل التجاري أو استيراد مدخلات الإنتاج، ما جعل الاقتصاد محاصرًا من الداخل والخارج في آن واحد.
ويشير إلى أن هذه العزلة لا تعني فقط انخفاض الصادرات والواردات، بل تعني فقدان الاندماج في أي دورة اقتصادية إقليمية أو دولية، وهو ما يحوّل غزة إلى اقتصاد معزول بالكامل، بلا قدرة على التفاعل أو التعافي الذاتي.
معادلة معيشية كارثية
وفي البعد المعيشي، يوضح أبو قمر أن ارتفاع الأسعار بنسبة 22% بالتوازي مع انهيار الاستهلاك بنسبة 81% خلق معادلة خطيرة قوامها دخل شبه معدوم، وأسعار مرتفعة، وسلع شحيحة، وهو ما يدفع المجتمع نحو مستويات غير مسبوقة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ويحذر من أن هذه المعادلة لا تمثل أزمة معيشية مؤقتة، بل مسارًا تراكميًا يقود إلى تفكك القدرة على البقاء، خصوصًا في ظل غياب شبكات أمان اقتصادية حقيقية.
اقتصاد غزة.. إنذار مفتوح
ويختتم الباحث أحمد أبو قمر تحليله بالتأكيد على أن استمرار هذه المؤشرات ينذر بتفاقم غير مسبوق للأوضاع المعيشية والإنسانية في قطاع غزة، مشددًا على أن أي تأخير في إحداث تغيير جذري في الواقع القائم سيحوّل الانهيار الاقتصادي إلى حالة دائمة يصعب عكسها حتى في حال توقف العدوان.
ويؤكد أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد تدهور اقتصادي، بل عملية تفكيك ممنهجة لأسس الحياة الاقتصادية، تضع المجتمع بأكمله أمام مستقبل بالغ الهشاشة.









