يكشف تقرير أمني حديث عن تصاعد لافت في وتيرة الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية العسكرية والصناعية الروسية، حيث تقف مجموعة تجسس إلكتروني غير معروفة على نطاق واسع خلف حملة اختراق معقدة استهدفت أفراداً من الجيش الروسي ومؤسسات تعمل في قطاع الصناعات الدفاعية، مستخدمة أسلوباً غير تقليدي يعتمد على رسائل تصيد احتيالي مرتبطة بمناسبات اجتماعية مثل حفلات رأس السنة الجديدة، في محاولة لخفض مستوى الشك لدى الضحايا ودفعهم لفتح الملفات الخبيثة دون حذر.
الجيش الروسي وملف خبيث بغطاء عسكري
وبحسب التقرير الذي أعده باحثون في شركة Intezer المتخصصة بالأمن السيبراني، ظهرت الحملة إلى العلن مطلع شهر أكتوبر بعد رصد ملف خبيث من نوع XLL على منصة VirusTotal، حيث أظهرت بيانات التحميل أن الملف رُفع لأول مرة من أوكرانيا، قبل أن يعاد تحميله لاحقاً من داخل روسيا، ما يشير إلى نجاح جزئي في اختراق أنظمة داخل الأراضي الروسية. الملف حمل اسماً مضللاً يوحي بمحتوى عسكري حساس تحت عنوان “أهداف العدو المخطط لها”، وصُمم ليُنفّذ تعليمات برمجية خبيثة تلقائياً فور فتحه باستخدام برنامج مايكروسوفت إكسيل دون الحاجة إلى أي تفاعل إضافي من المستخدم.
EchoGather باب خلفي بقدرات تجسسية واسعة
تشغيل الملف يؤدي إلى استغلال ثغرة غير معروفة سابقاً أطلق عليها الباحثون اسم EchoGather، وهي بمثابة باب خلفي يمنح المهاجمين قدرة شبه كاملة على النظام المصاب، تشمل جمع معلومات تفصيلية عن مكونات الجهاز والبرمجيات المثبتة، وتنفيذ أوامر عن بُعد، إضافة إلى تحميل الملفات أو سحبها من الأجهزة المستهدفة. وتُنقل البيانات المسروقة إلى خادم جرى تمويهه ليظهر كموقع لخدمات توصيل الطعام، في محاولة متعمدة لإخفاء النشاط الخبيث وتفادي أنظمة الرصد والحماية.

الجيش الروسي ومجموعة Goffee
يشير التقرير إلى أن الجهة المسؤولة عن الهجوم تُعرف باسم Goffee، وهي مجموعة يُعتقد أنها تنشط منذ عام 2022 على الأقل. ورغم هذا النشاط الممتد لعدة سنوات، فإن حجم المعلومات المتوافرة عن عملياتها لا يزال محدوداً، ويُعزى ذلك إلى ضعف الرؤية التقنية داخل الشبكات الروسية وصعوبة مراقبتها من الخارج، ما يجعل تقييم الأثر الحقيقي لهذه الهجمات أمراً معقداً.
التصيد الاحتيالي كسلاح نفسي وتقني
اعتمدت المجموعة على رسائل تصيد مكتوبة باللغة الروسية صُممت بعناية لاستهداف فئات محددة، من بينها دعوة مزيفة لحضور حفل موسيقي وُجهت إلى ضباط عسكريين كبار في الجيش الروسي. إلا أن هذه الوثيقة كشفت مؤشرات واضحة على كونها مولّدة بالذكاء الاصطناعي بشكل غير احترافي، حيث احتوت على أخطاء لغوية فادحة ومحاكاة مشوهة لشعار روسيا الرسمي، النسر ذي الرأسين، الذي بدا أقرب إلى رمز عام لا يحمل الدقة الرسمية المعتمدة.
كما استخدمت المجموعة طُعماً آخر تمثل في رسالة تنتحل صفة خطاب رسمي صادر عن نائب في وزارة الصناعة والتجارة الروسية، تطلب من الجهات المستهدفة تقديم مستندات لتبرير الأسعار في عقود دفاعية حكومية، ما يشير إلى تركيز واضح على الشركات الكبرى العاملة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة.

الجيش الروسي وضبابية الأهداف وحدود النجاح
لم يحدد التقرير بدقة عدد الأنظمة التي تعرضت للاختراق أو طبيعة المعلومات التي سعى المهاجمون للحصول عليها، إلا أن الباحثين أشاروا إلى أن نمط الهجوم يعكس محاولة نشطة لتطوير أدوات وأساليب جديدة للتهرب من أنظمة الكشف، رغم وجود ثغرات واضحة في التنفيذ التقني والدقة اللغوية، ما يدل على أن قدرات المجموعة لا تزال في طور التطوير وليست عند أعلى مستويات الاحتراف.
Paper Werewolf بين الاتهام والترجيح السياسي
تعرف مجموعة Goffee أيضاً باسم Paper Werewolf، ويرجّح باحثون في مجال الأمن السيبراني أنها ذات توجه موالٍ لأوكرانيا، رغم غياب أي تأكيد رسمي حول هويتها أو الجهة التي تقف خلفها. ويُلاحظ أن معظم التقارير السابقة التي تناولت نشاطها صدرت عن شركات أمن سيبراني روسية، ما يضفي بعداً سياسياً وإعلامياً على توصيفها.
سجل سابق من الهجمات المعقدة
في هذا السياق، كانت شركة Kaspersky قد أفادت في تقرير صدر خلال شهر أبريل بأن المجموعة استخدمت برمجيات خبيثة مخصصة لسرقة ملفات حساسة من وحدات تخزين USB عند توصيلها بأنظمة روسية مخترقة، وهو أسلوب سمح للمهاجمين بالوصول إلى بيانات غير متصلة مباشرة بالإنترنت. كما أعلنت شركة BI.ZONE في أغسطس أن المجموعة نفسها استغلت ثغرة صفرية إلى جانب ثغرة معروفة في برنامج WinRAR لتنفيذ هجمات استهدفت عدداً من المنظمات الروسية.
الجيش الروسي.. من التجسس إلى إرباك العمليات
ورغم أن الهدف الأساسي لنشاط المجموعة يتمثل في جمع المعلومات الاستخباراتية، فإن توثيق BI.ZONE لحالة واحدة على الأقل أدت فيها الهجمات إلى تعطيل عمليات داخل شبكة مخترقة، يشير إلى أن تأثير هذه الأنشطة قد يتجاوز حدود التجسس الصامت ليصل إلى إرباك العمليات التشغيلية، ما يعكس تحوّل الفضاء السيبراني إلى ساحة مواجهة متقدمة في الصراع غير المعلن بين الجيش الروسي وخصومه.










