4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أزمة الكهرباء والغاز في العراق.. مقامرة "أمن الطاقة" وسط التجاذبات الإقليمية

أزمة الكهرباء والغاز في العراق.. مقامرة "أمن الطاقة" وسط التجاذبات الإقليمية

بقلم: محمد خميس
٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
أزمة الكهرباء والغاز في العراق

أزمة الكهرباء والغاز في العراق

أزمة الكهرباء والغاز في العراق.. مقامرة "أمن الطاقة" وسط التجاذبات الإقليمية

يواجه العراق مع كل منعطف موسمي أزمة متجددة تضع استقراره الاجتماعي والاقتصادي على المحك؛ وهي أزمة نقص إمدادات الغاز الإيراني المشغل لمحطات توليد الطاقة الكهربائية. 

ومع توقف هذه الإمدادات أو تذبذبها، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى الاعتماد شبه الكلي على مصدر واحد، ومدى قدرة بغداد على المناورة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أزمة الكهرباء والغاز.. تشخيص الواقع الراهن

يعتمد العراق بشكل حيوي على الغاز المستورد من إيران لتشغيل محطات الكهرباء التي تغذي ملايين المنازل والمصانع، لاسيما في المناطق الوسطى والجنوبية. وتتكرر الأزمة عند توقف الإمدادات لأسباب تتراوح بين الاحتياجات المحلية الإيرانية حيث تعطي طهران الأولوية لاستهلاكها الداخلي في ذروة فصل الشتاء والمشاكل الفنية والديون من تراكم المستحقات المالية نتيجة العقوبات الأمريكية التي تعيق آلية الدفع بالدولار والضغوط السياسية و استخدام ملف الطاقة كأداة ضغط في الملفات الإقليمية.

وتؤدي هذه الانقطاعات إلى فقدان الشبكة الوطنية لآلاف الميغاوات، مما يرفع ساعات القطع المبرمج ويؤجج السخط الشعبي، خاصة في بلد تتجاوز فيه درجات الحرارة صيفًا 50°C وتتطلب شتاءً أحمالًا تدفئة عالية.

هشاشة الأمن الطاقي العراقي

إن أزمة الكهرباء في العراق ليست مجرد نقص في الوقود، بل هي انعكاس لـ "هشاشة هيكلية" في مفهوم أمن الطاقة الوطني، وتتجلى هذه الهشاشة في النقاط التالية من الارتباط الأحادي حيث وقوع المنظومة الكهربائية العراقية تحت رحمة "المورد الواحد". هذا الارتباط يجعل السيادة الطاقية العراقية رهينة للتقلبات في العلاقات (الإيرانية-الأمريكية) وهدر الغاز المصاحب في مفارقة مؤلمة، يمتلك العراق احتياطيات هائلة من الغاز، لكنه لا يزال يحرق كميات ضخمة من "الغاز المصاحب" لعمليات استخراج النفط بدلاً من استثماره، مما يكلف الدولة مليارات الدولارات سنويًا وتهالك البنية التحتية حيث تعاني شبكات النقل والتوزيع من ضياعات تقنية تصل إلى 40% في بعض المناطق، مما يعني أن زيادة التوليد وحدها لن تحل الأزمة دون تحديث شامل للشبكة.

 الخيارات البديلة أمام بغداد.. هل من مخرج؟

في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام ضرورة ملحة لتنويع مصادر الطاقة. وتبرز في الأفق عدة مسارات:

 الربط الكهربائي مع دول الجوار

الربط الخليجي يمثل مشروع الربط مع هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي (عبر الكويت) خطوة استراتيجية لتزويد البصرة والجنوب والربط مع الأردن ومصر حيث يهدف إلى خلق سوق عربية مشتركة للكهرباء، مما يقلل الاعتماد على الشرق ويفتح آفاقاً نحو الغرب.

يعد العقد الموقع مع شركة TotalEnergies الفرنسية حجر الزاوية في خطة العراق لاستثمار الغاز المصاحب. الهدف هو الوصول إلى "الاكتفاء الذاتي" بحلول عام 2027-2030، وهو ما سيوفر وقوداً محلياً مستداماً لمحطات التوليد.

بدأ العراق فعلياً في توقيع عقود لإنشاء محطات طاقة شمسية مع شركات عالمية (مثل "مصدر" الإماراتية). ورغم أن مساهمتها حالياً خجولة، إلا أنها تمثل جزءاً من الحل طويل الأمد لتقليل الانبعاثات والاعتماد على الوقود الأحفوري.

أزمة الكهرباء والغاز في العراق.. مقامرة "أمن الطاقة" وسط التجاذبات الإقليمية

 تحديات المناورة في ظل التوترات الإقليمية

لا تبدو خيارات بغداد "فنية" فقط، بل هي سياسية بامتياز. فالموازنة بين الضغوط الأمريكية لتقليل الاعتماد على إيران، وبين الحاجة الفعلية والمباشرة للغاز الإيراني لاستمرار الحياة اليومية، تضع صانع القرار العراقي في موقف حرج حيث يعتمد العراق على تمديد دوري للإعفاءات من العقوبات الأمريكية لمواصلة استيراد الغاز وأي محاولة للابتعاد السريع عن الغاز الإيراني دون توفير بديل جاهز قد تؤدي إلى انهيار الشبكة وخروج تظاهرات عارمة.

يبقى الأمن الطاقي العراقي "أسيرًا" لغياب التخطيط الاستراتيجي على مدار العقود الماضية. إن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب إرادة سياسية لتنفيذ مشاريع استثمار الغاز المصاحب بعيداً عن الفساد والبيروقراطية، تزامناً مع تسريع الربط الإقليمي المتعدد. بدون ذلك، سيبقى العراقيون يترقبون "ساعات التجهيز" مع كل هبة ريح باردة أو ساخنة في المنطقة.

جذور أزمة الطاقة في العراق
تعد أزمة الطاقة في العراق نتاجاً لعقود من الحروب، والفساد الإداري، وغياب الاستثمار في البنية التحتية. فعلى الرغم من امتلاك العراق لثاني أكبر احتياطي نفطي في منظمة "أوبك"، إلا أنه يعاني عجزاً مزمناً في إنتاج الكهرباء يتجاوز 10,000 ميغاوات في أوقات الذروة.

تفاقمت الأزمة مع الاعتماد الهيكلي على استيراد الغاز والكهرباء من إيران لتشغيل المحطات الوطنية، وهو مسار محفوف بالمخاطر بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، وصعوبة تسوية الديون بالدولار.

 وفي ظل استمرار حرق الغاز المصاحب بدلاً من استثماره، بات أمن الطاقة العراقي ورقة ضغط سياسية تخضع لتقلبات المشهد الإقليمي والدولي، مما يجعل المواطن العراقي الضحية الأولى لغياب السيادة الطاقية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أزمة الكهرباء والغاز في العراق.. مقامرة "أمن الطاقة" وسط التجاذبات الإقليمية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°