في القمّة الاستثنائية والاستراتيجية الثانية لتحالف دول الساحل، المنعقدة في العاصمة المالية باماكو، رسم رئيس بوركينا فاسو الكابتن إبراهيم تراوري، تماثلاً جيوسياسيًا مقلقاً، مشيرًا إلى زعزعة استقرار "الربيع العربي"، للعالم العربي، وحذّر أنّ القارة الأفريقية قد تعيش ظاهرةٍ مماثلة، مدمرةٍ تستهدف غرب أفريقيا تحديداً، كما عرفت دولاً مثل ليبيا أو سوريا، بل أخطر.
وقال في خطابه سمّى تلك الظاهرة؛ " لقد قررتُ تسميته الشتاء الأسود: قد يكون شتاءً باردً، دمويًا، وقاتلاً." - لكن قبل التفصيل في ذلك، دعنا نتحدث عن هذه القمة التاريخية، التي لم تكن مخرجاتها مجرد بيانات بروتوكولية؛ لكن تمظهرات لانتقالٍ فعليّ من طور الدفاع إلى طور البناء، ومن ردّ الفعل إلى الفعل السيادي المنظّم.
لماذا لا يريدون للساحل أن ينتصر؟
تحالف دول الساحل، الذي عملت فرنسا وأذرعها الإقليمية والدولية على خنقه منذ لحظته الأولى، يقدّم اليوم، بإرادة شعوبه نموذجًا نادرًا للصمود التاريخي. فلو قُدّر لدول أو أقاليم أخرى أن تمرّ بربع ما مرّت به دول الساحل من حصار، وإرهاب مُدار، وانقلابات اقتصادية غير معلنة، لانهارت منذ زمن. غير أن شعوب الساحل أثبتت أن البقاء للأقدر تكيفًا، والأصلح صمودًا.
أهمّ ما تحقق في هذه القمّة هو الإعلان عن مسار، مسار مستقبل الساحل. إذ تمّ إطلاق حزمة مشاريع ذات طابع سيادي، اقتصادي، تنموي، وتكاملي، كانت حتى وقت قريب تُصنّف في خانة “الأحلام المستحيلة”، لا لقصورها، بل لأن المنظومة الاستعمارية السابقة لم تكن تسمح حتى بتخيّلها. لكنّ اليوم، تحوّلت هذه الأحلام إلى مؤسسات قائمة، بهياكل واضحة، وتوزيع مدروس، يراعي التوازن داخل التحالف.
في هذا السياق، تقرر أن يكون مقر بنك الساحل للاستثمار والتنمية في العاصمة المالية باماكو، بوصفه أول مؤسسة مالية إقليمية قائمة على أصول واستثمارات محلية خالصة بنسبة مئة بالمئة، في قطيعة صريحة مع أنظمة التمويل المرتبطة بالمراكز الاستعمارية السابقة، وبرأسمال أوّلي بقيمة 860 مليون دولار.
كما تم توزيع المؤسسات الإعلامية والسيادية على دول التحالف وفق رؤية تكاملية:
- يكون مقر التلفزيون الرسمي لتحالف دول الساحل في مالي، مع فروع في النيجر وبوركينا فاسو.
- وتستضيف بوركينا فاسو مقر الإذاعة الرسمية للتحالف، مع امتدادات تشغيلية في مالي والنيجر.
- فيما يكون مقر الصحيفة الرسمية متعددة اللغات في النيجر، لتخاطب الداخل والخارج بلغات محلية وأجنبية، مع فروع في مالي وبوركينا فاسو.
- ويظل البنك الإقليمي مقره مالي مع فروع تشغيلية في بقية الدول الأعضاء.
- أما على المستوى الأمني، فقد أُعلن عن تأسيس قوة عسكرية مشتركة قوامها خمسة آلاف جندي، تتخذ من النيجر مقرًا لقيادتها العسكرية، في حين يُرجّح أن تتولى بوركينا فاسو ملف المشروع الزراعي ضمن منظومة الأمن الغذائي للتحالف.
ومع اعتماد مبدأ الرئاسة الدورية، ستنتقل قيادة التحالف إلى الرئيس إبراهيم تراوري، مصحوبة ببرنامج سنوي خاص، يهدف إلى تعميق هذه الإنجازات وتوسيعها.
ماذا عن العملة الإقليمية الجديدة، بديل الفرنك الفرنسي؟
أعلم يقينًا أنّ كل ما سبق يفتح، بطبيعة الحال، سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه: ماذا عن العملة الوطنية الجديدة لتحالف دول الساحل، البديل عن الفرنك سيفا الفرنسي الاستعماري؟
في محاولة للإجابة عليه، لا يخف عليكم أنّ إنشاء بنك إقليمي، وتأسيس مؤسسات سيادية مشتركة، وبناء قوة عسكرية موحدة، مؤشرات واضحة على أن مشروع العملة يجري التحضير له بالتوازي، لا على سبيل التخمين، أخبركم من مصدر موثوق. غير أن التجارب التاريخية التاريخية تُحذّرنا بوضوح، بأنّ العملة مع أنّها مشروعًا ورمزًا سياديين، هي أيضًا سلاحٌ اقتصاديٌ بالغ الخطورة إن لم تُؤسس على أرضية وطنية، ومؤسسية، وإنتاجية متينة.

تجربة غينيا كوناكري تظل المثال الأوضح. ففي عام 1958، وبعد إعلان استقلالها الكامل عن فرنسا، رفضت غينيا الانضمام إلى منظومة الفرنك الاستعماري (فرنك CFA)، وقررت إصدار عملتها الوطنية، الفرنك الغيني. جاء الردّ الفرنسي قاسيًا. لم يكن ذلك الرد الفرنسي سياسيًا فحسب، بل اقتصاديًا تخريبيًا مباشرًا؛ إذ قامت باريس بطباعة كميات ضخمة من العملة الغينية المزوّرة وضخّتها داخل الاقتصاد الغيني، ما أدى إلى انهيار قيمة العملة، وانفلات التضخم، وتفكك الثقة النقدية، ودخول البلاد في دوامة أزمات اقتصادية استمرت لعقود. هذه ليست رواية دعائية، بل واقعة موثقة في تاريخ الحرب الاقتصادية الاستعمارية، أدعوكم إلى قراءة هذا الفصل المظلم في تاريخ غينيا.والساحل لا يودّ أن يعيش التجربة نفسها دون أن تستعد لكل الاحتمالات، فقلة التدبير والعجز على تجاوز مؤامرات العدو علامة ضعف قبل أن يكون علامة عجز، والشعوب لا تدعم العجزة الضعفاء.
تشريح أصول عدم الاستقرار في الساحل
من هنا، فإن كل الأزمات التي تعيشها منطقة الساحل اليوم ليست طبيعية ولا عفوية. الإرهاب ذاته سلعة مصطنعة، ولا توجد في الواقع كيانات “جهادية” مستقلة القرار في الساحل. ولقد أكّدته أكثر من مرة، أنّ التنظيمات الموسومة بالإرهاب ليست سوى أدوات وظيفية لأجندات خارجية معروفة.
خذ الإرهابي؛ إياد أغ غالي، المصنّف زعيمًا لتنظيم مرتبط بالقاعدة في الساحل، مثال صارخ على هذا التزييف. الرجل، الذي لم يكن يومًا حامل مشروع ديني أو إسلامي متماسك، بل كانت له خلفيات فنية وشخصية متناقضة حيث كان مغنّي راب يمتهن الأغاني والموسيقى، يُقدَّم اليوم نفسه كقائد “خلافة إسلامية” مزعومة. من يصدق أن شخصية كهذه تقود مشروع دولة إسلامية؟ إما أن يكون ساذجًا، أو سيّئ النية. الحقيقة أن إياد أغ غالي رجل ذو نزعات عنصرية واضحة، يستثمر الخطاب الديني كغطاء لتمرير العنف، وتفكيك المجتمعات، وتشويه الإسلام ذاته، لأن القتل باسم الإسلام هو القتل الوحيد الذي يُسمح له اليوم بالانتشار إعلاميًا دون مساءلة، لأنّه ببساطة يسهّل مشروع شيطنة الإسلام.
والمشهد نفسه يتكرر مع تنظيم داعش في الساحل؛ زعيم لا ينتمي تاريخيًا ولا اجتماعيًا للمنطقة، يأتي ليعلن الدولة الإسلامية، داعش “ولاية منطقة الساحل”. توافقوني يا معشر القراء، أنّ السؤال البديهي؛ لماذا الساحل؟ هل لأننا الأقرب إلى قلبه؟ أم لأن المنطقة مستهدفة استراتيجيًا لتفريغها من سكانها، وتدمير دولها، وتشويه دينها، تمهيدًا لإعادة هندستها جيوسياسيًا؟
ثم يأتي بعض منظّري فرنسا وأذرعها في المنطقة ليقدّموا تحليلًا فجًّا مفاده أن دول الساحل “أهملت التنمية وركّزت على الأمن”، وهذا سبب تفشّي الإرهاب. هذا ليس تحليلًا، بل تضليل. التاريخ، والعلم، وكل التجارب المقارنة تؤكد معادلة واحدة لا تقبل الجدل: لا تنمية بلا أمن. كيف تُبنى مدرسة في منطقة يحرقها المسلحون الإرهابيون؟ كيف تُشق طريق حيث يُذبح العمال، الأبرياء؟ كيف تُقام بنية تحتية بينما تُفجّر يوميًا؟ الجماعات الإرهابية في الساحل ليست عائقًا عرضيًا أمام التنمية، لكنّها مشروعًا مضادًا لها، مصممًا لتدمير أي إمكانية للحياة.
ما يحدث في مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، ليس فشل دولة، أنّما مقاومة دولة وشعوب، سمحتْ لقطّاع طرقٍ باسم الإسلام وخلافة إسلامية وهمية تديرها المخابرات الأجنبية أن تقتل دون رقيب أو حسيب، وهذا ما يقاومه أهل الساحل. مقاومة ضد مشروع يُراد له أن يبقي الساحل هشًا، تابعًا، ومنزوع السيادة. وما تشهده المنطقة اليوم، بكل كلفته، هو مخاض تاريخي ثقيل، لكنه ضروري.
يفسّر ذلك المشروع التخريبي في الساحل، في عمقه وسياقه، خطاب الرئيس إبراهيم تراوري الأخير في قمة باماكو، ذلك الخطاب الذي تردّد صداه في عموم القارّة الأفريقية، حين حذّر بوضوح من أنّ ما تحقق من تحوّلات وإنجازات نوعية في دول الساحل لن يمرّ بلا أثمان. فقد سمّى المرحلة المقبلة بـ«الشتاء الأسود»، شتاءً قد يكون قاسيًا، وقد تُزهق فيه أرواح، إن كان لا بدّ من المرور عبره لبلوغ استقلال حقيقي، لأنّ قوى الإمبريالية ـ كما قال صراحة ـ لن تسمح لهذا النموذج التحرّري أن يترسّخ أو أن يصبح مُعديًا لغيره.
تخيّل فقط هذه المنطقة، بما تختزنه من ثروات طبيعية واستراتيجية هائلة، من باطن الأرض إلى مخزونها من المياه الجوفية، لو كُتب لها أن تقضي على الإرهاب، وأن توجّه طاقتها نحو التنمية البشرية والاقتصادية، وبناء بنى تحتية حقيقية للتعليم، والصحة، والابتكار، كما ورد في برامج قادتها في القمة. تخيّل لو أُزيل هذا السرطان المسلّح من الجسد الساحلي، هل كان ليكون بيننا وبين التنمية الحقة سوى بضع سنوات؟! لكن صانعو الإرهاب لايطيقون تخيّل هذا المسار لنا.
فإرهاب «داعش» و«القاعدة» هو المحرّك الرئيس للفقر، والجهل، والتخلّف، لأنّ هذه الجماعات لا تنتج سوى النهب المنظّم، ومصادرة أرزاق الناس باسم «الجزية» و«حقوق دولة الإسلام»، وحرق المدارس والمؤسسات والبنى التحتية في المناطق التي تسيطر عليها. والنتيجة مجتمعات منكوبة، بلا تعليم ولا استقرار، كما حدث فعليًا في أجزاء واسعة من الساحل، حيث تحوّل ما يقارب مليون ونصف المليون طفل، مع عائلاتهم، إلى نازحين داخليين: بلا منازل، بلا مدارس، وبلا أرض، منذ بداية تمدّد هذا العنف الموسوم زورًا بالإرهاب. ولو قُضي على هذه الظاهرة، لانتهت هذه المأساة من جذورها، وهو ما يفسّر ـ في المقابل ـ لماذا يتم تمويل وتسهيل عمل هذه العصابات، لتدمير الساحل وقتل أهله باسم الإسلام وبناء «خلافة» وهمية.
الساحل : الأمّة المصرة على البقاء
ومع ذلك كلّه، يصرّ سكان الساحل على التشبّث بالحياة. ففي بوركينا فاسو، حقق الرئيس إبراهيم تراوري ما يمكن وصفه ـ دون مبالغة ـ بإنجازات استثنائية؛ قفز الناتج المحلي من 18 مليار دولار إلى 22 مليار، أُعيد إحياء الخطوط الجوية الوطنية بعد أن كانت ميتة، أُطلق مشروع زراعي واسع مدعوم بمعدات مجانية، وافتُتحت أول مصفاة وطنية للذهب بدل تصديره خامًا، مع تنظيم عملية استخراجه، ما أضاف نحو 70 طنًا إلى الإنتاج السنوي. يضاف إلى ذلك مشاريع الصحة، والمستوصفات المتنقلة، وشقّ الطرق المعبّدة، واستعادة مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة جماعات القاعدة وداعش. كل ذلك أنجزه قائد لم يتجاوز بعد الأربعين من عمره، تخيّل لو لم تكن بوركينا فاسو مضطرًا لمحاربة الجماعات الموسومة بالإرهاب ، لتجاوز وتارا ما حققه كاغامي في رواندا بشكلٍ أكيد.

وفي النيجر، المشهد لا يقل دلالة. فبرغم التحديات، جرى تفكيك منظومة الهيمنة القديمة؛ استُعيدت مناجم اليورانيوم من فرنسا، طُردت قواتها، أُغلقت القواعد الأجنبية، وافتُتحت معاهد تعليمية جديدة مرتبطة بمشاريع النفط. بل أُعلن مؤخرًا عن برنامج لتدريب 8000 مهندس نووي لإدارة مشروع الطاقة النووية المصغّرة، بهدف تزويد البلاد بالكهرباء، والجميع يعلم أنّ لا تنمية بلا طاقة، ولا تعليم ولا صحة ولا زراعة دون كهرباء.
أما في مالي، وعلى عكس نبوءات أنبياء الخراب، فلم تسقط الدولة بيد القاعدة. بل إنّ مراجعة المشاريع التي تحققت في عهد رئيس تحالف دول الساحل، عاصمي غويتا، خلال رئاسته الدورية، تكشف أنّ مالي صامدة، وستكون بخير. وهو ما يؤكد مقولة الرئيس تراوري بأنّ شعوب الساحل من أكثر شعوب العالم قدرة على الصمود. فبرغم كل ما فُرض عليها من إرهاب، وقتل، ونهب، واستعمار، لا تزال تقدّم أفضل ما لديها. وهذا وحده كافٍ ليكون بصيص أمل. نحن المستقبل، وسننتصر على هذه الآفة المسماة بالإرهاب، مهما اشتدّ برد «الشتاء الأسود» القادم، لأنّها معركة حياة أو فناء، ومعركة الشعوب الأكثر قدرة على التكيّف والبقاء.






