القضية الفلسطينية وحقيقة الصراع بعد 7 أكتوبر..
1. تشخيص المعضلة الجوهرية انها صراع الإرادات لا الحقوق
ان الصراع الحقيقي ليس على الأرض وحدها، ولا على من يملك الحق التاريخي (فالاحتلال يدعي زوراً بامتلاكه للأرض) المعركة الفاصلة هي معركة الإرادة المنظمة ضد العاطفة المشتتة. العدالة وحدها لا تنتصر دائماً في مواجهة مشروع واضح المعالم، حتى لو كان ظالماً. النصر حليف من يحوِّل "الحق" من شعارٍ عاطفي إلى هدف استراتيجي محدد من خلال اعداد الخطط الواقعية بالادوات المادية والعلمية ، وان تسخَّر له كل الوسائل واللحظات مثل ماحدث في أفغانستان وفيتنام والعراق.
القضية الفلسطينية.. وجود الثراء العاطفي والفوضى الاستراتيجية
2. مفارقة المأساة الفلسطينية وجود الثراء العاطفي والفوضى الاستراتيجية، يحمل الفلسطينيون قضية عادلة متجذرة في الذاكرة والوجدان، تشكّل هويتهم. لكن هذه القوة المعنوية تحوّلت أحياناً إلى عبء استراتيجي لثلاثة أسباب:
ا. الغاية الضائعة تحوَّل "الصمود" و"المقاومة" إلى غايات في حد ذاتها، بينما غاب الاتفاق على صورة النهاية السياسية الواضحة والممكنة. فُقدت خريطة الطريق وسط زحام الشعارات.
ب. تحويل الوسائل إلى مقدسات مثلا اصحاب الخيار التفاوضي ينكرون الوسائل الاخري كل شيء أصبح "خطاً أحمر" وغير قابل للمساومة أو المراجعة، مما شلّ القدرة على المناورة السياسية . تحولت الوسائل (كالموقف من وسيلة كذا أو تنظيم كذا) إلى جزء من الهوية يصعب التفريط به، حتى لو كان ذلك يفيد الغاية الكبرى.
ج. ردات الفعل بدلاً عن الفعل: أصبحت السياسة الفلسطينية الرسمية في كثير من الأحيان مجرد رد فعل على الخطوة الإسرائيلية التالية، في غياب رؤية استباقية طويلة المدى تُدار من خلالها الأزمات.
القضية الفلسطينية.. سر القوة الإسرائيلية
3. سر القوة الإسرائيلية: الوضوح الهادئ والمرونة الباردة، في المقابل، تقوم القوة الإسرائيلية على وضوح لا عاطفي لعدد محدود من الثوابت الاستراتيجية غير القابلة للمساومة، أبرزها: ضمان أمن الدولة اليهودية وهيمنتها ، وكل شيء آخر وسيلة متحركة لخدمة هذه الثوابت. هذا المنطق يسمح بما يلي:
ا. البراغماتية المطلقة: القدرة على تغيير التكتيكات والتحالفات والخطابات دون ارتباك، لأن البوصلة ثابتة.
ب. استعمار الزمن: لا يعتبرون الوقت ضدهم. يعرفون كيف "يديرون" الصراع لا "يُنهونه" إذا لم يخدم مصلحتهم، ويحوّلون كل جولة إلى مكاسب تراكمية.
ج.فصل العاطفة عن القرار: القرارات تُتخذ بناء على حسابات القوة والمصلحة بعيداً عن الخطاب العاطفي، مما يمنحها صلابة وقابلية للتنفيذ.
4. تحديد نقطة الفشل: ليست الهزيمة العسكرية، بل الانهيار الاستراتيجي الداخلي، الخسارة الكبرى للفلسطينيين ليست فقط في الأرض المسلوبة، بل في فقدان السيادة على القرار الاستراتيجي. الخطأ يبدأ عندما يصبح الرد على العدوان هو المحرك الوحيد للعمل.
القضية الفلسطينية.. المعركة الحقيقية
5. المعركة الحقيقية: معركة الوعي والترتيب الداخلي، قبل معركة التحرير تأتي معركة تصحيح المسار الداخلي. وهي تعني:
· تمييز الجوهر من العرض: ما هو الثابت الحق الذي لا مساومة عليه (الكيان، الحق في العودة، السيادة)؟ وما هي الوسائل القابلة للتغيير والتكتيكات المرنة؟
· بناء إرادة جمعية: تحويل "القضية" من حالة وجدان مشترك إلى برنامج عمل سياسي جامع، بوضوح شديد وقابل للتحقيق على مراحل.
· امتلاك رفاهية الوضوح: وهو الترف الأكثر قسوةً وأهمية. الوضوح يعني القدرة على قول "نعم" و"لا" في الوقت المناسب، وعدم الخلط بين الموقف الأخلاقي والحكمة السياسية.
6. ضرورة التعلم من الخصم: ليس في المبدأ، بل في المنهج
· لا يعني الاعتراف بفاعلية المنهج الإسرائيلي الرضوخ له أو التخلي عن الحقوق. بل يعني استخلاص الدروس في إدارة الصراع:
· درس الوضوح الاستراتيجي وعدم التضحية به لأي اعتبار تكتيكي.
· درس استخدام الزمن كحليف، عبر الصبر وتراكم القوة الناعمة والمكانة الدولية، درس المرونة التكتيكية في إطار الثبات الاستراتيجي.
القضية الفلسطينية.. الخلاصة
7. الخلاصة: التحول من ضحية التاريخ إلى فاعل فيه
التاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يكفي أن تكون ضحيةً حاملًا للحق. الفلسطينيون مدعوون اليوم للانتقال من حالة الدفاع عن الحق إلى حالة صناعة المستقبل بوضوح. هذا يتطلب جراحة داخلية مؤلمة لفرز الثوابت الحقيقية عن الأوهام، وبناء إجماع وطني حول الهدف النهائي والطريق إليه.
8· الرسالة للأطراف الفلسطينية وللداعمين هي: المعركة ضد المشروع الاستعماري لا تُربح بالشعارات وحدها، ولا بالعواطف الجياشة وحدها، بل بالمشروع المضاد الواضح والمتماسك والممكن. عندما يعرف الفلسطينيون - كشعب واحد بقرار واحد - ماذا يريدون بالضبط، ويضعون خطة طويلة النفس لتحقيقه، فإنهم يحوّلون قضيتهم من مأساة تُعاش إلى قوة يُحسب حسابها. العالم يحترم، في النهاية، من يعرفون أين يقفون وإلى أين يذهبون.









