تشهد أراضي سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً متكرراً، تمثل في توغلات برية وإطلاق نار مباشر واعتداءات متواصلة في ريف القنيطرة ودرعا، في نمط لم يعد عابراً أو تكتيكياً، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة. فالتوقيت المتكرر لهذه الضربات، واتساع نطاقها، يكشفان عن محاولة إسرائيلية واضحة لإعادة رسم قواعد الاشتباك جنوب سوريا، وفرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز اتفاقية فصل القوات لعام 1974، مستفيدة من التحولات الإقليمية وحالة الانكشاف التي تعيشها الساحة السورية.
سوريا: القنيطرة كنقطة اختبار
لم تعد القنيطرة مجرد منطقة تماس تقليدية، بل تحولت إلى مسرح اختبار لسياسة إسرائيلية تقوم على التوغلات المحدودة المدعومة بالنار، والانتشار المؤقت داخل القرى، وعرقلة حياة المدنيين. فإطلاق النار من التل الأحمر الغربي باتجاه التل الأحمر الشرقي، والتوغل في قرى عين زيوان وكودنة وسويسة، يعكس سعياً إسرائيلياً لتكريس حضور عسكري غير معلن، يفرض سيطرة بالنار دون الحاجة إلى احتلال رسمي أو إعلان سياسي.
هذا النمط يهدف إلى خلق منطقة ضغط أمني دائم، تتيح لإسرائيل حرية الحركة، وتحد من أي وجود عسكري سوري أو حليف محتمل قرب خط الفصل، مع توجيه رسالة بأن الجنوب السوري سيبقى تحت المراقبة والاختراق المستمر.

توقيت الاعتداءات
تأتي الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا في توقيت بالغ الحساسية، يتسم باضطراب المشهد الإقليمي وتعدد جبهات الصراع، ما يمنح تل أبيب هامش مناورة أوسع. فالتصعيد في القنيطرة يتزامن مع انشغال أطراف إقليمية بملفات كبرى، ومع تراجع قدرة دمشق على فرض سيادتها الكاملة جنوباً، ما يجعل هذه الضربات رسالة عملية مفادها أن إسرائيل قادرة على التحرك دون كلفة سياسية فورية.
كما أن التوغلات البرية والاعتقالات المحدودة تحمل بعداً اختبارياً، حيث تقيس تل أبيب ردود الفعل المحلية والدولية، في محاولة لتحديد سقف الاعتراض الممكن، تمهيداً لتوسيع هذه السياسة أو تثبيتها كأمر واقع طويل الأمد.
خرق اتفاقية 1974 وتآكل الخطوط الحمراء الدولية
تُعد الاعتداءات المتكررة على سوريا خرقاً مباشراً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، التي أرست منطقة منزوعة السلاح وآليات ضبط للتوتر على خط الجولان. إلا أن إسرائيل تتعامل مع الاتفاقية بوصفها إطاراً قابلاً للتجاوز، مستندة إلى غياب ردع دولي فعّال، وصمت مجلس الأمن عن التوغلات البرية وإطلاق النار المباشر.
هذا التآكل في الخطوط الحمراء القانونية يمنح إسرائيل فرصة لإعادة تعريف التزاماتها، وتحويل الاتفاقية من أداة حماية للاستقرار إلى وثيقة شكلية لا تمنع تغيير الواقع الميداني بالقوة.
الرسالة الأمنية لإسرائيل من الجنوب السوري
تحمل الاعتداءات على سوريا رسالة أمنية متعددة المستويات، أولها موجّه إلى دمشق مفادها أن استعادة السيطرة الشكلية لا تعني استعادة السيادة الكاملة، وثانيها موجه إلى أي أطراف حليفة لسوريا بأن الجنوب خط أحمر إسرائيلي لا يسمح بإعادة تموضع أو بناء نفوذ.
كما تسعى تل أبيب إلى ترسيخ مفهوم الردع الاستباقي، عبر التحرك الميداني المباشر بدل الاكتفاء بالغارات الجوية، في تحول لافت يعكس ثقة أكبر بالقدرة على إدارة الاحتكاك دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
الأبعاد السياسية الداخلية للاعتداءات
لا يمكن فصل التصعيد في سوريا عن السياق السياسي الداخلي الإسرائيلي، حيث تلجأ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى استعراض القوة في الجبهات الخارجية لتعزيز صورة الردع وتوحيد الجبهة الداخلية. فالتوغلات في القنيطرة تُقدَّم داخلياً كإجراءات وقائية لحماية الحدود الشمالية، في ظل تصاعد القلق من تعدد الجبهات.
بهذا المعنى، تتحول الساحة السورية إلى مساحة مناورة سياسية وأمنية منخفضة الكلفة، تُستخدم لإيصال رسائل داخلية وخارجية في آن واحد.
غياب الردع الدولي وتداعياته المستقبلية
إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية دون محاسبة دولية حقيقية ينذر بتحول خطير في قواعد التعامل مع السيادة السورية. فالصمت الدولي لا يشجع فقط على تكرار الانتهاكات، بل يفتح الباب أمام توسيع نطاقها جغرافياً وزمنياً.
وفي حال استمر هذا النهج، فإن الجنوب السوري مرشح لأن يتحول إلى منطقة رخوة أمنياً، تُدار بمنطق القوة لا القانون، ما يهدد بإشعال توترات مستقبلية أوسع، ويقوض أي فرص لاستقرار طويل الأمد في المنطقة.
الاعتداءات المتكررة
تؤكد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا أن تل أبيب لا تتحرك بدافع أمني عابر، بل وفق استراتيجية محسوبة تهدف إلى تثبيت وقائع جديدة جنوب البلاد. فالقنيطرة باتت عنواناً لرسائل النار، حيث يُختبر صمت المجتمع الدولي، وتُرسم حدود النفوذ بالقوة، في مشهد يعكس هشاشة النظام الدولي أمام سياسة فرض الأمر الواقع.










