شتاء الموت في غزة.. المنخفضات القطبية تفتك بالنازحين والدفاع المدني يطلق نداء استغاثة
يواجه قطاع غزة في أواخر ديسمبر 2025 فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية التي تجاوزت كل الحدود، حيث اجتمعت قسوة الطبيعة مع بشاعة الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية، لتجعل من "الشتاء" عدواً إضافياً يطارد مئات آلاف النازحين في العراء.
وفي تصريح صحفي مؤلم اليوم الأحد، رسم الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، صورة كارثية للواقع الميداني مع دخول المنخفض الجوي القطبي الثالث هذا الموسم، مؤكداً أن البنية التحتية المتهالكة والخيام المهترئة لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، مما حول مراكز الإيواء إلى برك مياه ضخمة تبتلع أرواح الأطفال والنساء وسط صمت دولي مطبق.
ضحايا "البرد والركام": قصص الموت في السودانية وميناء غزة
أعلن الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، عن تسجيل حالتي وفاة جديدتين منذ بدء تأثير المنخفض الجوي الحالي، لينضما إلى قائمة طويلة من "شهداء البرد" في القطاع.
الضحية الأولى كانت لطفل بريء غرق في حفرة مياه تجمعت نتيجة الأمطار الغزيرة في منطقة السودانية شمالي مدينة غزة، وهي المنطقة التي تعرضت لدمار هائل في تضاريسها وبنيتها التحتية، مما حولها إلى مصيدة للموت.
شتاء الموت في غزة.. المنخفضات القطبية تفتك بالنازحين والدفاع المدني يطلق نداء استغاثة
أما الضحية الثانية فهي سيدة فارقت الحياة إثر سقوط جدار متصدع قرب ميناء غزة، نتيجة الرياح العاتية والأمطار التي نخرت ما تبقى من أساسات المباني المدمرة.
هذه الوفيات ترفع حصيلة ضحايا المنخفضات الجوية منذ مطلع ديسمبر الجاري إلى 17 فلسطينياً، بينهم 4 أطفال، في إحصائية تعكس حجم الخطر المحدق بالسكان.
مأساة "الخيام الطائرة": مئات المناشدات وعجز الإمكانيات
أوضح محمود بصل أن طواقم الدفاع المدني تلقت مئات المناشدات والاستغاثات من عائلات نازحة غرقت خيامها أو تطايرت بفعل الرياح القوية، مشيراً إلى أن الدفاع المدني تدخل في عشرات الحالات الحرجة داخل مراكز الإيواء التي باتت غير صالحة للسكن الآدمي واللافت في تصريحات بصل هو تأكيده أن هذا المنخفض، رغم كونه "محدوداً" مقارنة بمنخفضات سابقة، إلا أنه أحدث دماراً هائلاً، مما يدل على أن ما تبقى من خيام وملاجئ قد وصل إلى مرحلة "الاهتراء الكامل" ولم يعد يمتلك أي قدرة على الصمود أمام الرياح أو الأمطار البسيطة، فكيف الحال مع المنخفضات القطبية العنيفة المتوقعة في شهر يناير القادم؟
أرقام صادمة: غرق 90% من مراكز الإيواء وتضرر ربع مليون نازح
تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن الدفاع المدني والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أرقام تقشعر لها الأبدان؛ حيث تسببت الأمطار في غرق نحو 90% من مراكز إيواء النازحين، وهي نسبة تعني أن الغالبية العظمى من المشردين الذين دمر الاحتلال منازلهم يعيشون الآن وسط الوحل والمياه.
كما أدت سلسلة المنخفضات الجوية منذ بداية الشتاء إلى تضرر أكثر من ربع مليون نازح بشكل مباشر، من أصل 1.5 مليون فلسطيني يعيشون في خيام ومراكز إيواء بدائية (مدارس، مستشفيات، منشآت عامة مدمرة). هؤلاء النازحون يفتقرون إلى الملابس الشتوية، والأغطية، ووسائل التدفئة، والأهم من ذلك، يفتقرون إلى جدران تحميهم من صقيع الليل القطبي.
نداء الاستغاثة: المواد الإنشائية بدلاً من "الخيام التي لا فائدة منها"
وجه الناطق باسم الدفاع المدني رسالة قوية وحازمة للمنظمات الدولية والإنسانية، مطالباً إياها بالتوقف عن "الاكتفاء بالحديث عن الخيام" التي أثبتت التجربة عدم جدواها في حماية الناس من الغرق والبرد.
وطالب بصل بالتحرك الفوري لإدخال مواد البناء، والمعدات الثقيلة، ومستلزمات الإيواء الحقيقية (الكرفانات أو الغرف الجاهزة)، بالإضافة إلى توفير مقومات المنظومة الخدماتية من صرف صحي ومضخات مياه. إن استمرار منع الاحتلال لإدخال هذه المواد يعني حكماً بالإعدام البطيء على مئات آلاف العائلات التي تواجه الموت برداً أو غرقاً تحت أنقاض منازلها أو داخل خيامها البالية.
زاوية تحليلية: المنخفض الجوي كأداة "إبادة صامتة"
لا يمكن فصل مأساة المنخفض الجوي في غزة عن السياق السياسي والعسكري؛ فالدمار الواسع الذي أحدثته إسرائيل في البنية التحتية، وتعمد تدمير شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، جعل من كل "قطرة مطر" تهديداً لحياة السكان. إن هذا الواقع يحول المنخفضات الجوية من ظواهر طبيعية إلى أدوات "إبادة صامتة" تكمل ما بدأته الصواريخ والقذائف.
فعندما يغرق نازح في خيمته أو يسقط جدار متهالك على سيدة، فإن المسؤولية تقع مباشرة على من دمر المأوى ومنع دخول مواد الإعمار، وهو ما يشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يلزم القوة المحتلة بتأمين احتياجات السكان المدنيين في ظروف الطوارئ.
غزة تحت الحصار والبرد: المستقبل المجهول لآلاف العائلات
يعيش سكان القطاع منذ ظهر أمس السبت تحت تأثير منخفض جوي قطبي هو الثالث من نوعه هذا الشتاء، في ظل انعدام تام لوسائل الطاقة والتدفئة وارتفاع جنوني في أسعار الوقود (إن وجد).
العائلات في غزة اليوم لا تفكر في الغذاء فحسب، بل تبحث عن مأوى جاف ولو لمساحة متر مربع واحد ليتمكن أطفالها من النوم دون أن تبتل أجسادهم الضعيفة. إن استمرار هذا الحال مع توالي المنخفضات الجوية ينذر بكارثة صحية وانتشار للأوبئة والأمراض التنفسية والمعدية التي تفتك بالأطفال وكبار السن في مراكز الإيواء المكتظة والمغمورة بالمياه.
التحرك الدولي بين "الواجب الأخلاقي" و"الفشل الإنساني"
إن ما نقله محمود بصل اليوم هو صرخة أخيرة قبل وقوع الكارثة الكبرى. إن غزة لا تحتاج إلى بيانات قلق أو وعود بتقديم خيام قماشية جديدة ستطير مع أول هبة ريح، بل تحتاج إلى ضغط دولي حقيقي لفتح المعابر وإدخال مستلزمات الإيواء الصلبة وترميم البنية التحتية للصرف الصحي.
إن ترك ربع مليون إنسان يواجهون الغرق والبرد هو وصمة عار في جبين الإنسانية عام 2025. ستبقى صور الأطفال الغرقى في السودانية والجدران المنهارة في الميناء شاهدة على عصر خذل فيه العالم شعباً يُذبح مرتين؛ مرة بنيران الحرب، ومرة بصقيع الشتاء.










