21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

شرق السودان في قلب العاصفة: حرب مفتوحة ومأساة إنسانية بلا شهود

يتقاطع ملف شرق السودان وخارطة الطريق السياسية مع واحدة من أعقد لحظات الصراع السوداني، حيث تتزامن المبادرات السياسية مع تصعيد عسكري متواصل بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، وسط اتهامات خطيرة بارتكاب مجازر في شمال دارفور.

بقلم: سماح عثمان
٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
السودان

السودان

يتقاطع ملف شرق السودان وخارطة الطريق السياسية مع واحدة من أعقد لحظات الصراع السوداني، حيث تتزامن المبادرات السياسية مع تصعيد عسكري متواصل بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، وسط اتهامات خطيرة بارتكاب مجازر في شمال دارفور.

في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة، بل مأساة إنسانية مركّبة، تتوسع رقعتها الجغرافية، وتتعمق آثارها الاجتماعية، بينما يظل الشرق ودارفور نموذجين صارخين لصراع منسي عالميًا.

خارطة طريق السودان بلا أرض صلبة


تُطرح خارطة الطريق السياسية الخاصة بشرق السودان باعتبارها محاولة لمعالجة اختلالات تاريخية تتعلق بالتهميش، والتنمية غير المتوازنة، والتمثيل السياسي. وبحسب مشاركين في المشاورات السياسية، تهدف هذه الخارطة إلى دمج مطالب الإقليم ضمن أي تسوية وطنية شاملة، تضمن مشاركة أوسع لمكونات الشرق في مستقبل الحكم.

غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع أمني هش، حيث يغيب الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لتحويل المقترحات إلى إجراءات ملموسة. ويرى محللون أن أي مسار سياسي يُبنى في ظل استمرار الحرب يظل معلّقًا ومهددًا بالانهيار، خاصة مع غياب سلطة مركزية قادرة على فرض التزامات أو تنفيذ تعهدات.

معارك تستنزف السودان 


على الجبهة العسكرية، تتواصل المعارك بين الجيش السوداني و”الدعم السريع” في عدة ولايات، مع اتساع رقعة الاشتباكات واستخدام الأسلحة الثقيلة داخل المناطق السكنية. ووفق تقارير أممية، فإن طبيعة القتال تشير إلى حرب استنزاف طويلة، تتآكل فيها قدرات الدولة، وتتراجع معها فرص الحسم العسكري السريع.

 

دارفور ومجازر بلا حساب


تتصاعد الاتهامات بارتكاب مجازر واسعة في شمال دارفور، شملت القتل الجماعي، والتهجير القسري، وتدمير القرى، وفقًا لتقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية. وتشير هذه التقارير إلى أن المدنيين، خصوصًا من الفئات الأكثر ضعفًا، يتعرضون لانتهاكات ممنهجة، في ظل غياب أي حماية فعالة.

ورغم خطورة هذه الاتهامات، يظل التفاعل الدولي محدودًا، مقتصرًا على بيانات إدانة وتحذيرات، دون إجراءات رادعة. ويرى ناشطون أن هذا الصمت يشجع على تكرار الجرائم، ويكرّس شعورًا بالإفلات من العقاب، خصوصًا في إقليم عانى تاريخيًا من الإهمال والتجاهل.

شرق السودان  ملاذ هش 


أدى تصاعد العنف في دارفور ومناطق أخرى إلى تدفق أعداد كبيرة من النازحين نحو شرق السودان، الذي يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وخدمية. وبحسب تقارير إغاثية، تواجه المجتمعات المحلية في الشرق ضغوطًا متزايدة، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية.

ويحذر خبراء إنسانيون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل جاد قد يحوّل الشرق إلى بؤرة أزمة إنسانية جديدة، خاصة في ظل غياب خطط استجابة شاملة، وتراجع التمويل الدولي المخصص للأزمة السودانية.

السودان خارج دائرة الاهتمام 


رغم حجم الكارثة، لا يحظى الصراع السوداني بالاهتمام الدولي الذي يتناسب مع خطورته. ويعزو محللون هذا التراجع إلى انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى، ما جعل السودان يتراجع في سلم الأولويات العالمية. هذا الغياب لا ينعكس فقط في ضعف الضغط السياسي، بل أيضًا في تقلص الدعم الإنساني، وترك ملايين المدنيين لمصير مجهول.

على الأرض، تتواصل المعارك بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” في عدة محاور، مع تبادل السيطرة على مناطق استراتيجية، واستخدام واسع للأسلحة الثقيلة داخل المدن. ووفق تقارير أممية، فإن طبيعة القتال تشير إلى حرب استنزاف طويلة، لا يملك أي طرف فيها القدرة على الحسم السريع.

هذا التصعيد العسكري ينعكس مباشرة على المسار السياسي، إذ يُضعف فرص الحوار، ويعمّق حالة الاستقطاب، في وقت تتآكل فيه مؤسسات الدولة، ويتسع نطاق الفوضى الأمنية، خاصة في الأقاليم البعيدة عن مركز القرار في الخرطوم.

المدنيون بين السياسة والحرب


في المحصلة، يكشف المشهد في شرق السودان ودارفور عن مأساة إنسانية عميقة، تتوارى خلف العناوين السياسية والعسكرية. فخارطة طريق بلا ضمانات، ومعارك بلا أفق، ومجازر تمر دون محاسبة، كلها عناصر تعيد إنتاج الأزمة وتطيل أمدها.

ويبقى المدني السوداني، في الشرق ودارفور وسائر الأقاليم، الحلقة الأضعف في صراع تتراجع فيه السياسة أمام منطق السلاح، ويتأكد فيه أن تجاهل البعد الإنساني ليس مجرد تقصير أخلاقي، بل عامل رئيسي في استمرار واحدة من أكثر الأزمات دموية ونسيانًا في العالم.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال