في عهد بنيامين نتنياهو، بلغ المشروع الصهيوني ذروة قوّته الظاهرية وعمق انقسامه الوجودي.
لم يكن "الملك بيبي" مجرد زعيمٍ سياسي، بل مرآة عاكسة لكل التناقضات البنيوية التي يعاني منها الكيان الإسرائيلي: بين دولة تكنولوجية عالمية ومجتمع منقسم على هويته، بين قوة عسكرية مهيبة وهشاشة مؤسسية داخلية، وبين إرث صهيوني علماني وأيديولوجيا توراتية مسيحانية صاعدة. اليوم، ومع احتمال رحيله من المشهد، لم يعد السؤال: هل ستنجو إسرائيل بعد نتنياهو؟ بل: أيّ إسرائيل ستنجو؟
في هذا المقال التحليلي، نستشرف مستقبل الكيان الإسرائيلي انطلاقًا من الإرث المتناقض لنتنياهو، ونستعرض كيف أن انهيار "عقيدة إدارة الصراع"، وتمكين التيّارات المتطرفة، وتفكيك مؤسسات الدولة، قد دفع إسرائيل إلى حافة مواجهة حاسمة — لا مع جيرانها، بل مع ذاتها.
مقدمة: ظاهرة نتنياهو كمرآة للمشروع الصهيوني
لا يمكن تفكيك مسار التفكُّك الذي يجتازه الكيان الصهيوني اليوم دون فهمٍ عميق لظاهرة بنيامين نتنياهو. فهو ليس مجرد رئيس وزراء أطول من حكم إسرائيل، بل هو الشخصية التي جسّدت — بمسيرتها السياسية وممارساتها — كل التناقضات الجوهرية التي يعاني منها المشروع الصهيوني، ودفعت بها إلى أقصى حدودها المنطقية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى إرث نتنياهو باعتباره إرث فرد، بل كـ"جسرٍ تاريخي" عبرت عليه إسرائيل من مرحلة الدولة الوظيفية المستقرة نسبيًّا إلى مرحلة الكيان المأزوم، الذي يقف حائرًا أمام أسئلة وجودية لم يعد قادرًا على تأجيلها.
1. (الملك بيبي): صانع القوة ومقوض الدولة
يتجلى التناقض الأعمق في إرث نتنياهو في كونه الزعيم الذي بنى "إسرائيل القوية" في الصورة والخطاب، بينما كان في الوقت ذاته يهدم بنيان الدولة من الداخل.
نجح نتنياهو في تعزيز الصورة الخارجية لإسرائيل كقوة تكنولوجية واقتصادية عالمية، ووسّع من هالة تفوّقها العسكري والاستخباراتي. غير أن هذه القوة كانت — في جوهرها — "قشرة هشّة" تخفي وراءها تآكلاً بنيويًّا متعمّقًا في مؤسسات الدولة نفسها. فطوال سنوات حكمه، وبخاصة في مراحله الأخيرة، قاد حملة منهجية لتقويض المؤسسات الضامِنة للتوازن الديمقراطي: القضاء، الإعلام، الجيش، والأجهزة الأمنية. كانت غايته واضحة: البقاء في السلطة وتجنب المحاكمة. لكن الثمن كان باهظًا: فقدان الثقة الشعبية في العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الصهيونية العلمانية بل تفككه، وتحوّل الدولة من كيان مؤسسي إلى أداة في خدمة بقاء الفرد الاستبداد.
2. إرث (دولة يهودا): تمكين المسيحانية الانتحارية
أكبر خطيئة استراتيجية في مسيرة نتنياهو لم تكن في سياسته الخارجية فهو بارع في التدخل واللعب على التناقضات في الدول الخليفة كما حدث في عهد باراك اوباما وبايدن، بل في سياسته الداخلية: تمكين التيّارات المسيحانية المتطرفة ومنحها مفاتيح الدولة.
لطالما استخدم نتنياهو الأحزاب الدينية المتطرفة كأداة لضمان أغلبيته البرلمانية. لكنه تجاوز ذلك بوقتٍ ما، حين قرّر شرعنة وجود شخصيات متطرفة لا تحترم قواعد الدولة العلمانية والنظام السياسي، مثل إيتامار بن غفير ويائير سموتريتش في قلب الحكومة. لم يكن هذا مجرد تحالف انتخابي، بل كان بمثابة "تعديل جيني" في هوية الكيان الصهيوني نفسه. فقد أُدخل إلى مفاصل القرار سياسيون لا يؤمنون بفكرة الدولة الديمقراطية، ولا يعترفون بشرعية التعدد أو التعايش، بل يروجون لرؤية توراتية مطلقة ترى في الصراع وجودًا، وليس خطرًا.
والنتيجة؟ حتى لو رحل نتنياهو من المشهد السياسي، فإن الكيان الذي خلّفه — "دولة يهودا" داخل دولة إسرائيل — لا يزال قائماً، ومستمرًّا في فرض إرادته، ممهّدًا الطريق لانفجار داخلي لا مفرّ منه.
3. انهيار "عقيدة إدارة الصراع"
لعقود، ظلّ نتنياهو يروّج لعقيدة "إدارة الصراع" كاستراتيجية بديلة عن الحل السياسي، مُهمِشًا القضية الفلسطينية عبر سياسات التطبيع الإقليمي والانخراط في "التحالفات المضادة لإيران".
جاءت أحداث 7 أكتوبر 2023 لتُعلن فشل هذه العقيدة فشلًا ذريعًا. فلم يعد بالإمكان تجاهل الحقوق الفلسطينية بحجة أنها "مشكلة قابلة للتجميد" او الالتفاف عليها من البوابة العربية. لقد كشف الهجوم أن القوة العسكرية والتكنولوجية، مهما بلغت، لا تضمن أمن كيان لا يعترف بشرعية الطرف الآخر ولا يتعامل معه كواقعٍ سياسي.
واليوم، تجد إسرائيل نفسها في حالة "انكشاف استراتيجي" غير مسبوقة: محاطة بجبهة مقاومة متعددة الأذرع، محاصرة بفقدان الشرعية الدولية، وممزّقة داخليًّا بين رُؤى متنافرة للهوية والمستقبل، دون أن تمتلك رؤية استراتيجية واضحة تُخرِجها من هذا المأزق الغيتو المعاصر.
4. سيناريوهات ما بعد نتنياهو: المواجهة الحتمية مع الذات
رحيل نتنياهو لن يمثل نهاية الأزمة، بل بداية "المواجهة الكبرى" مع الذات. فـ"إسرائيل" لم تعد تواجه عدوًّا خارجيًّا فقط، بل تصارع هويتها المنقسمة على نفسها. وفي هذا السياق، يمكن رسم سيناريوهين محتملين:
أولًا: سيناريو الفراغ والشلل
في غياب شخصية مركزية قادرة على احتواء التوازنات، قد تدخل إسرائيل مرحلة من الصراع المرير بين ما اسميه (القبائل الإسرائيلية): العلمانيون ضد المتدينون، الليبراليون ضد القوميين، والجنرالات ضد السياسيين. وقد يؤدي هذا إلى شلل سياسي واقتصادي يعجّل بتفكك البنية التحتية للكيان.
ثانيًا: سيناريو الانفجار الداخلي.
قد يتحوّل الجدل حول هوية الدولة — (يهودية أم ديمقراطية؟) — إلى مواجهة مفتوحة وعنيفة، خصوصًا إذا رفضت التيّارات المسيحانية في "دولة يهودا" التراجع عن مكتسباتها. في هذه الحالة، لن يكون الانهيار ناتجًا عن غزو خارجي، بل عن "تفكّك عضوي" داخلي، لا يُبقي ولا يذر.
كلمة أخيرة: حتمية الانهيار
إن المفارقة الكبرى في إرث نتنياهو هي أنه، في سعيه الدؤوب لتأجيل الأسئلة الوجودية، لم يفعل سوى تسريع لحظة صدام الكيان مع ذاته. لقد استُنزفت طاقة المشروع الصهيوني التاريخية على نتنياهو، وأصبح غير قادر على احتواء التناقضات التي ولّدها.
إسرائيل بعد نتنياهو ليست دولة في أزمة، بل كيان يواجه قدره المحتوم: الانهيار الناتج عن تآكل الذات، وفقدان المعنى، والمواجهة مع حتميات التاريخ والجغرافيا. وكما انتهت الإمبراطوريات والكيانات التي ولدت من رحم القوة دون شرعية، فإن عهد نتنياهو يُسجّل — بوضوح قاتل — الفصل الأخير من قصة كيان ولد من الاستعمار، ويموت اليوم على يد تناقضاته الداخلية.
**المراجع**
[1] هآرتس: "نتجه نحو انهيار داخلي ونتنياهو يبحث عن حرب لوقف دمار إسرائيل"، نوفمبر 2025.
[2] تقرير الجزيرة: "أزمة نتنياهو السياسية وتفكك ائتلافه"، أكتوبر 2025.
[3] "إسرائيل في عين العاصفة: ثلاث فضائح تكشف عمق الانهيار داخل حكومة نتنياهو"، نوفمبر 2025.
[4] تقرير مراقب الدولة: "إسرائيل تفتقر إلى مفهوم رسمي للأمن القومي بعد 7 أكتوبر"، نوفمبر 2025.
[5] وكالة معاً الإخبارية: "كثيرون في إسرائيل يرون انهيار الكيان وشيكاً"، نوفمبر 2025.










