حرب "إسرائيل" على الأونروا: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والموقف الأردني الحازم
في منعطف خطير يهدد ركائز القضية الفلسطينية، أقدم الكنيست الإسرائيلي على خطوة وصفت بأنها "إعدام سياسي" لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من المحاولات الرامية لتصفية قضية اللاجئين. وفي قلب هذه المواجهة، برز الموقف الأردني كصوت قانوني وأخلاقي صلب، محذراً من تحول هذه القرارات إلى سابقة دولية تهدم منظومة العمل الإنساني العالمي.
الموقف الأردني
أدانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية بأشد العبارات إقرار الكنيست لمشاريع قوانين تستهدف وجود الأونروا. ولم تكتفِ المملكة بالإدانة اللفظية، بل فندت الأبعاد الخطيرة لهذا التشريع:
انتهاك الحصانات الدولية
أكدت الخارجية الأردنية أن القانون الإسرائيلي الذي يسمح بمصادرة ممتلكات الوكالة وحظر الخدمات الأساسية عن منشآتها يمثل خرقاً صريحاً لاتفاقية "امتيازات وحصانات الأمم المتحدة" لعام 1946، هذا الانتهاك يضع "إسرائيل" في مواجهة مباشرة مع الشرعية الدولية، وليس فقط مع الشعب الفلسطيني.
الاغتيال السياسي للوكالة
أوضحت الوزارة أن الهدف الإسرائيلي ليس "تحسين الكفاءة" كما يزعم الاحتلال، بل هو "اغتيال سياسي" للوكالة التي تحمل تفويضاً أممياً. الأردن يرى في الأونروا "الشاهد الحي" على مأساة اللجوء، وحذف هذا الشاهد يعني محاولة شطب حق العودة والتعويض.
التداعيات الكارثية للقانون الإسرائيلي
إن حظر عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، سيخلق فراغاً لا يمكن لأي جهة أخرى ملؤه. إليك تفصيل للنتائج المترتبة:
انهيار القطاع التعليمي
تشرف الأونروا على مئات المدارس التي تضم آلاف الطلاب. غيابها يعني ضياع جيل كامل وتحويل المدارس إلى ركام إداري.
الأزمة الصحية
تقدم الوكالة خدمات طبية أولية في المخيمات؛ حظرها يعني انتشار الأوبئة وتوقف برامج التطعيم والرعاية للأطفال والنساء.
المعونات الغذائية
في ظل المجاعة التي تلوح في أفق قطاع غزة، تعتبر الأونروا العمود الفقري لتوزيع المساعدات. شل حركتها هو حكم بالإعدام جوعاً على مئات الآلاف.
الأونروا: رمزية سياسية تتجاوز الإغاثة
تعتبر الأونروا المنظمة الوحيدة التي ترتبط ديمومتها بحل قضية اللاجئين. لذا، فإن إنهاء الوكالة من وجهة نظر اليمين الإسرائيلي المتطرف يعني:
تحويل قضية اللاجئين من "قضية سياسية" إلى "أزمة إنسانية" عامة تعالجها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) التي تعمل على الدمج والتوطين.
إسقاط صفة "اللاجئ" عن أحفاد الفلسطينيين الذين هُجروا عام 1948 وفرض واقع جديد في القدس الشرقية عبر إغلاق مقار الوكالة هناك لتعزيز مزاعم "القدس عاصمة موحدة".
الموقف القانوني الدولي: خرق لاتفاقيات جنيف
قانونياً، تُعتبر "إسرائيل" قوة احتلال بموجب القانون الدولي. واتفاقية جنيف الرابعة تفرض على قوة الاحتلال ضمان وصول المساعدات الإنسانية للسكان الخاضعين للاحتلال.
التحرك الأردني الدبلوماسي: حشد الدعم الدولي
لم يتوقف الأردن عند البيان الصحفي، بل قاد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً شمل التنسيق مع المجموعة العربية: لضمان موقف موحد في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومخاطبة القوى الكبرى وحث الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الضغط على تل أبيب للتراجع عن هذه القوانين دعم التمويل و استضافة مؤتمرات المانحين لسد العجز المالي المزمن الذي تعاني منه الوكالة نتيجة التحريض الإسرائيلي.
التحديات المالية: سلاح "التجويع الإداري"
بجانب الاستهداف القانوني، واجهت الأونروا حملة لتجفيف منابع تمويلها عبر ادعاءات لم تثبت صحتها حول حيادية موظفيها. الأردن أكد مراراً أن الهجوم على التمويل هو جزء من "الحرب الشاملة" لتقويض الوكالة قبل صدور القوانين الأخيرة.
الأونروا في غزة: شريان الحياة الوحيد
في ظل الحرب المستعرة، تحولت مراكز الأونروا إلى ملاجئ أخيرة للنازحين. إقرار قانون حظر الوكالة في هذا التوقيت تحديداً يعكس رغبة في تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، حيث لا تعليم، لا صحة، ولا إغاثة منظمة.
ماذا بعد قرار الكنيست؟
إذا نُفذ هذا القانون، فإن المنطقة مقبلة على سيناريوهات خطيرة انفجار الأوضاع في المخيمات: سيؤدي فقدان الخدمات إلى حالة من الغليان الشعبي في الضفة الغربية والقدس و أزمة شرعية دولية: ستكون الأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي؛ هل تسمح لدولة عضو بحظر منظماتها وتحميل المجتمع الدولي التكلفة: سيضطر العالم للبحث عن بدائل مكلفة وغير مجدية، مما يزيد من تعقيدات الصراع.
دور الإعلام والوعي الشعبي
يقع على عاتق الإعلام تسليط الضوء على أن قضية الأونروا ليست قضية "رواتب موظفين" أو "سلال غذائية"، بل هي قضية "هوية وطنية" و"حق سياسي" التقرير الأردني وضع النقاط على الحروف حين وصف الوكالة بأنها "شاهد قانوني".
الدفاع عن الأونروا هو دفاع عن حق العودة
يبقى الموقف الأردني هو حجر الزاوية في الدفاع عن الأونروا، انطلاقاً من الوصاية الهاشمية على المقدسات ومن منطلق كون الأردن أكبر مستضيف للاجئين الفلسطينيين. إن معركة "البقاء" للأونروا هي معركة الوجود الفلسطيني في وجه محاولات المحو والتهجير.










