21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الكنيست يصادق على قانون قطع الخدمات عن الأونروا.. تصعيد صهيوني ضد اللاجئين

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وإنسانية خطيرة، صادق الكنيست الصهيوني بشكل نهائي على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب الأونروا

بقلم: شيماء مصطفى
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
22 مشاهدة
الكنيست يصادق على قانون قطع الخدمات عن الأونروا

الكنيست يصادق على قانون قطع الخدمات عن الأونروا

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وإنسانية خطيرة، صادق الكنيست الصهيوني بشكل نهائي على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب الأونروا، في تصعيد غير مسبوق يستهدف أحد أهم الأعمدة الإنسانية الداعمة للاجئين الفلسطينيين. هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ فور إقراره، لا يمكن قراءته كإجراء إداري أو تقني، بل كجزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض دور الأونروا وتجفيف مصادر الحياة والخدمات عن ملايين اللاجئين، في وقت يعيش فيه قطاع غزة وبقية مناطق اللجوء حالة انهيار إنساني غير مسبوقة.

تشريع يستهدف الأونروا خارج السياق الخدمي

إقرار القانون بأغلبية 59 نائبًا مقابل 7 معارضين يعكس توجّهًا سياسيًا واضحًا داخل المؤسسة التشريعية الصهيونية، يتجاوز الاعتبارات الإنسانية والقانونية. فالأونروا، بوصفها وكالة أممية، تتمتع بحصانة دولية ودور معترف به منذ أكثر من سبعة عقود، لكن الكنيست يتعامل معها باعتبارها خصمًا سياسيًا وأمنيًا. ربط الوكالة باتهامات أمنية، دون تقديم أدلة قانونية دامغة، يكشف أن الهدف الحقيقي هو نزع الشرعية عنها، لا مساءلة أفراد بعينهم كما يقتضي القانون الدولي.

تسييس الخدمات الإنسانية كأداة عقاب جماعي

قطع الكهرباء والمياه عن مكاتب الأونروا يعني عمليًا شل قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، من صحة وتعليم وإغاثة. هذا القرار يندرج ضمن مفهوم العقاب الجماعي المحظور دوليًا، إذ يُستخدم الحق في الحياة والخدمات كورقة ضغط سياسية. في السياق الفلسطيني، حيث يعتمد ملايين اللاجئين بشكل شبه كامل على خدمات الأونروا، يتحول القرار إلى أداة خنق إنساني، لا سيما في قطاع غزة الذي خرج لتوّه من حرب إبادة مدمرة.

خطاب التحريض وتبرير الاستهداف

التصريحات التي أدلى بها وزير الطاقة والبنية التحتية الصهيوني خلال جلسة التصويت، والتي وصف فيها الأونروا بأنها “ذراع تنفيذية لحماس”، تكشف طبيعة الخطاب المستخدم لتبرير القانون. كما شن كوهين هجوما أيضا على أعضاء الكنيست من الأحزاب العربية الذين عارضوا القانون، واصفًا إياهم بـ”الطابور الخامس”، مؤكدًا أنه “لا مكان لهم في الكنيست الإسرائيلي”، على حد وصفه.

هذا الخطاب لا يكتفي بتجريم وكالة أممية، بل يمتد إلى شيطنة النواب العرب داخل الكنيست، في مؤشر على تصاعد النزعة الإقصائية والعنصرية. توظيف لغة التخوين والتحريض يعكس محاولة لإغلاق أي نقاش قانوني أو إنساني حول تبعات القرار، واستبداله بسردية أمنية مطلقة.

قرار في توقيت إنساني بالغ الحساسية

تأتي هذه الخطوة في وقت تتعاظم فيه حاجة الفلسطينيين إلى خدمات الأونروا، بعد أكثر من عامين من حرب إبادة على قطاع غزة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودمّرت البنية التحتية بشكل شبه كامل. ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فإن القيود الإسرائيلية المشددة على إدخال المساعدات أبقت الواقع المعيشي في غزة عند مستويات كارثية. في هذا السياق، يبدو استهداف الأونروا بمثابة استكمال للحصار، لكن بغطاء تشريعي.

الأونروا 2
 

الأبعاد القانونية والدولية للقرار

من الناحية القانونية، يثير القانون أسئلة جدية حول التزام إسرائيل بواجباتها كقوة احتلال، وباتفاقياتها مع الأمم المتحدة. الأونروا تعمل بتفويض أممي واضح، وأي إجراء يمسّ قدرتها على العمل يُعد تحديًا مباشرًا للنظام الدولي. تجاهل تأكيدات الأمم المتحدة المتكررة بشأن حياد الوكالة، والمضي قدمًا في معاقبتها جماعيًا، يعكس استخفافًا بالشرعية الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية مؤسساته.

استهداف اللاجئين عبر ضرب الشاهد الدولي

لا يمكن فصل استهداف الأونروا عن محاولات أوسع لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. فالوكالة لا تقدم خدمات فحسب، بل تمثل شاهدًا دوليًا على جريمة اللجوء المستمرة منذ عام 1948. تقويض دورها يعني ضرب أحد آخر الأطر الدولية التي تُبقي قضية اللاجئين حية في الوعي القانوني والسياسي العالمي. من هنا، فإن قطع الخدمات عن مكاتبها هو رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء عملي، مفادها أن إسرائيل ماضية في إعادة تعريف الصراع وفق رؤيتها الأحادية.

تداعيات محتملة ومسؤولية دولية

إذا نُفذ القانون بالكامل دون ردع، فإن تداعياته لن تقتصر على تعطيل عمل الأونروا، بل ستمتد إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وزيادة معدلات الفقر والمرض، وتهديد الاستقرار الاجتماعي في مناطق اللجوء. المسؤولية هنا لا تقع على إسرائيل وحدها، بل على المجتمع الدولي الذي يُطالب اليوم بالانتقال من بيانات القلق إلى خطوات عملية لحماية الأونروا وضمان استمرار عملها. فالصمت الدولي في هذه المرحلة قد يُفسَّر كضوء أخضر لمزيد من الإجراءات التي تستهدف جوهر العمل الإنساني نفسه.

في المحصلة، يشكل قانون قطع الكهرباء والمياه عن الأونروا حلقة جديدة في سلسلة التصعيد الإسرائيلي ضد اللاجئين الفلسطينيين، ويكشف بوضوح كيف تتحول التشريعات إلى أدوات حصار، وكيف يُستَخدم القانون لتقويض القانون الدولي ذاته.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال