20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ارتفاع حاد في الأفكار الانتحارية بين الشباب الإسرائيلي: "أرقام لم نشهدها من قبل"

تكشف معطيات طبية إسرائيلية حديثة عن تصاعد غير مسبوق في معدلات الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار بين الأطفال والمراهقين في إسرائيل، في مؤشر خطير على التآكل العميق الذي أصاب البنية النفسية لجيل كامل.

بقلم: عمرو المصري
٢ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
49 مشاهدة
الانتحار في إسرائيل

الانتحار في إسرائيل

تكشف معطيات طبية إسرائيلية حديثة عن تصاعد غير مسبوق في معدلات الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار بين الأطفال والمراهقين في إسرائيل، في مؤشر خطير على التآكل العميق الذي أصاب البنية النفسية لجيل كامل يعيش تحت وطأة الحرب والاضطراب المستمر. هذه الأرقام، التي صدرت عن مركز شنايدر الطبي للأطفال التابع لخدمات “كليلت” الصحية، تعكس أزمة مركبة تتجاوز البعد الصحي إلى أبعاد اجتماعية وأمنية وسياسية.

بحسب البيانات، سجّل المركز ارتفاعًا يقارب 60% في عدد التقييمات النفسية المرتبطة بالسلوك الانتحاري بين الأعوام 2023 و2025. ففي عام 2023 استقبلت غرف الطوارئ 580 حالة، ارتفعت إلى 752 حالة في 2024، ثم قفزت إلى 930 حالة في 2025، وهو تصاعد متسارع يعكس فشلًا بنيويًا في التعامل مع التداعيات النفسية للحرب داخل المجتمع الإسرائيلي.

خطر فوري

تُظهر البيانات أن عدد الأطفال والمراهقين الذين صُنّفوا باعتبارهم بحاجة إلى تدخل فوري بلغ 63 حالة في 2023، قبل أن ينخفض إلى 49 حالة في 2024، ثم يرتفع بشكل حاد إلى 88 حالة في 2025. هذا الارتفاع الأخير، بحسب أطباء المركز، مؤشر على انتقال الأزمة من مستوى القلق والاضطراب إلى مستوى الخطر المباشر على الحياة.

غرفة الطوارئ في مركز شنايدر الطبي للأطفال
غرفة الطوارئ في مركز شنايدر الطبي للأطفال

 

وتقول الدكتورة نوعا بن أرويا، مديرة قسم الصحة النفسية في مركز شنايدر، إن التقييم النفسي لا يشير دائمًا إلى خطر فوري، لكن عندما يتم تصنيف الحالة على أنها عالية الخطورة، فهذا يعني وجود قلق بالغ يتطلب مراقبة لصيقة وتدخلًا عاجلًا. وتضيف أن “هذه الأرقام لم نشهد لها مثيلًا من قبل”، مؤكدة أن حجم الحالات التي تصل إلى الطوارئ في حالة انهيار نفسي حاد غير مسبوق.

تدهور متسارع

تشير تحليلات ربع سنوية للبيانات إلى أن عام 2025 شهد ذروة خطيرة، حيث وقع نحو ثلث الحالات المصنفة عالية الخطورة في الربع الأخير من العام، وهو ما يمثل زيادة بثلاثة أضعاف مقارنة بالربع الأول. هذا التسارع الزمني يعكس، وفق مختصين، تراكمًا نفسيًا مؤجلًا لانعكاسات الحرب.

الدكتورة أوريت بار-أون، رئيسة عيادة علاج الاكتئاب واضطرابات المزاج والسلوك الانتحاري في المركز، حذرت من أن هذه النتائج تفرض ضرورة إجراء فحص معمق لأسباب الارتفاع، وتطوير آليات كشف مبكر، وتعزيز المنظومة القائمة بشكل جذري، لمنع مزيد من التدهور في السنوات المقبلة.

مؤشرات بنيوية

تؤكد بار-أون أن الانتحار يُعد ثاني أكثر أسباب الوفاة شيوعًا بين الذكور المراهقين في إسرائيل، وثالثها بين الإناث، بمعدل وفيات سنوي يبلغ 6.9 لكل 100 ألف شخص. كما تشير إلى تصاعد ملحوظ في التقارير المتعلقة بالأفكار والسلوكيات الانتحارية غير المميتة، بما يشمل التخطيط والمحاولات وإيذاء النفس، وهي ظاهرة تفاقمت بعد جائحة كورونا ثم انفجرت مع الحرب.

ووفقًا للمعطيات، فإن تقييم وعلاج خطر الانتحار بات السبب الرئيسي لإحالة الأطفال والمراهقين إلى أقسام الطوارئ النفسية. نحو 5% من الإسرائيليين بين 14 و17 عامًا يقرّون بوجود أفكار انتحارية، بينما يُحال قرابة ألف مراهق سنويًا إلى المستشفيات بعد محاولات انتحار، ما يعكس أزمة جيلية واسعة النطاق.

موجات نفسية

تصف بار-أون السلوك الانتحاري بأنه ظاهرة تأتي على شكل موجات، وغالبًا ما تكون مؤقتة، لكنها تصبح قاتلة في غياب التدخل. وتشدد على أن أي تدخل فردي أو مؤسسي يمكن أن يُنقذ حياة شخص يمرّ بهذه الموجة النفسية العنيفة.

تحليل بيانات السنوات الثلاث الماضية يُظهر أن الارتفاع في زيارات الطوارئ المرتبطة بالانتحار كان حادًا ومتواصلًا، وسط تحذيرات من أن الوضع مرشح لمزيد من التفاقم في حال غياب تدخل وطني واسع النطاق، يتجاوز الحلول الجزئية والترقيعية.

الانتحار وأثر الحرب

تشير بن أرويا إلى أن الأطفال والمراهقين غالبًا ما يتفاعلون مع الأزمات بتأخير زمني، إذ قد يبدون متماسكين خلال الحدث، ثم تظهر الانهيارات لاحقًا، بما في ذلك السلوك الانتحاري. وتؤكد أن نمطًا مشابهًا ظهر بعد جائحة كورونا، لكن الحرب الحالية عمّقت الأزمة بشكل غير مسبوق.

تفاقمت المعاناة بشكل حاد خلال سنوات الحرب
الحرب الحالية عمّقت الأزمة بشكل غير مسبوق

 

وتضيف أن النظام الصحي كان لا يزال يعالج ما أسمته “ضحايا كورونا” قبل اندلاع الحرب على غزة، مشيرة إلى أن المقارنة بين الأزمتين باتت اليوم “شبه عبثية”، في ظل حجم الضغط النفسي الراهن. وتتوقع أن يكون عامَا 2026 و2027 أكثر صعوبة إذا لم يتم التوصل إلى حل جدي.

تعقيد الحالات

من جهتها، تقول الدكتورة أييلت شرايبمان كوهين، رئيسة وحدة الصحة النفسية المجتمعية في مركز شنايدر، إن غرف الطوارئ تشهد منذ بدء الحرب حالات أكثر تعقيدًا، لم تعد تقتصر على تصريحات انتحارية، بل تشمل ضائقة نفسية شديدة متداخلة مع الاكتئاب والقلق.

وتوضح أن التقييم بات يشمل مستوى الأداء اليومي للمريض، لافتة إلى أن ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار يترافق مع زيادة في اضطرابات أخرى مثل القلق والوسواس القهري واضطرابات الأكل، وهو ما يضاعف من احتمالات الخطر في حال عدم التدخل المبكر.

لا تتركوهم وحدهم

يشدد مختصو الصحة النفسية على ضرورة الانتباه إلى مؤشرات الخطر، مثل تراجع الأداء اليومي، الإرهاق، الانسحاب الاجتماعي، العزلة، وتكرار عبارات اليأس أو انعدام قيمة الحياة. وتؤكد شرايبمان كوهين أن أي تغيير سلوكي حاد يجب أن يُقابل بالقلق والمتابعة.

وتحذر بن أرويا من ترك الأفراد وحدهم مع معاناتهم، مؤكدة أن السؤال المباشر عن الأفكار الانتحارية لا يزرع الفكرة في الذهن، بل قد يكون طوق النجاة الوحيد. وتقول إن الاكتئاب، الذي غالبًا ما يقف خلف هذه الأفكار، قابل للعلاج نفسيًا ودوائيًا، شرط الوصول إلى المساعدة في الوقت المناسب.

فشل إسرائيلي

في ضوء هذه المعطيات القاتمة، تطالب بن أرويا برد وطني فوري يشمل زيادة التمويل لقطاع الطب النفسي وتعزيز منظومة الصحة النفسية العامة. وتؤكد أن الاستثمار يجب أن يكون بحجم يجعل المختصين راغبين في العمل داخل النظام العام، لا الاكتفاء بإعلانات شكلية عن وظائف وموارد غير فعالة.

وتشير تقارير من تربويين وأخصائيين خارج المستشفيات إلى تصاعد مقلق في السلوكيات الدالة على الضائقة النفسية والانتحار بين الأطفال والمراهقين، في وقت تخرج فيه إسرائيل من فترة اضطراب طويلة جمعت بين جائحة عالمية وحرب مفتوحة.

تحذير متأخر

الدكتورة يوخي سيمان طوف، المؤسسة والمديرة السابقة لوحدة التعامل مع الأزمات والانتحار في وزارة التعليم، تحذر من أن المجتمعات غالبًا لا تشهد ارتفاعًا في الانتحار أثناء ذروة الأزمات، بل بعد انتهائها، عندما تبدأ التداعيات المؤجلة بالظهور.

وتدعو سيمان طوف إلى تبني حلول إبداعية، تشمل تدريب كوادر شبه مهنية للتعامل مع الحالات الخفيفة والمتوسطة، وتوسيع برامج الحوار المفتوح مع الأطفال والمراهقين حول الانتحار وسبل الوقاية منه، مؤكدة أن كسر الصمت وتسهيل الوصول إلى الدعم قد يمنع كوارث إنسانية قادمة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال