11 يونيو 2026|القاهرة 28 °

واشنطن تشعل الهدنة مجددًا: إيران ترفع سقف الرد وتلوّح بتوسيع المواجهة خارج الشرق الأوسط

تدخل الهدنة الهشة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد الاتهامات الإيرانية لواشنطن بتقويض المسار الدبلوماسي عبر مواصلة العمليات العسكرية وانتهاك وقف إطلاق النار

بقلم: عمرو المصري
منذ 6 ساعة
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
لافتة ضخمة تحمل صورة حاملة طائرات أمريكية والعلم الأمريكي في ميدان (الثورة) في طهران، وحملت اللافتة عبارة «من رأى الريح حصد الزوبعة»

لافتة ضخمة تحمل صورة حاملة طائرات أمريكية والعلم الأمريكي في ميدان (الثورة) في طهران، وحملت اللافتة عبارة «من رأى الريح حصد الزوبعة»

تدخل الهدنة الهشة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد الاتهامات الإيرانية لواشنطن بتقويض المسار الدبلوماسي عبر مواصلة العمليات العسكرية وانتهاك وقف إطلاق النار، في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمريكية بشن ضربات جديدة على الأراضي الإيرانية.

فبعد أشهر من الحرب التي بدأت في فبراير الماضي بهجوم أمريكي إسرائيلي مشترك على إيران، كانت الآمال معلقة على المفاوضات التي انطلقت بالتوازي مع الهدنة المعلنة في أبريل، باعتبارها فرصة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الهدنة تحولت عملياً إلى ساحة صراع موازية، تستخدمها الأطراف المتنازعة لإعادة التموضع العسكري والسياسي بدلاً من تمهيد الطريق نحو تسوية حقيقية.

وتعكس الاتهامات الإيرانية المتكررة لواشنطن بخرق وقف إطلاق النار حجم التآكل الذي أصاب الثقة بين الطرفين، وهو ما يضع العملية التفاوضية بأكملها أمام اختبار قد يكون الأخطر منذ اندلاع الحرب.

دبلوماسية بالقوة

في هذا السياق، وجهت وزارة الخارجية الإيرانية انتقادات حادة للولايات المتحدة، معتبرة أن استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية يقوض أي فرصة جدية لإنجاح المسار السياسي.

وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن العملية الدبلوماسية تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار والالتزام المتبادل، معتبراً أن الانتهاكات الأمريكية المتكررة لوقف إطلاق النار، إلى جانب التصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين، تلحق أضراراً مباشرة بفرص التوصل إلى حلول سياسية.

ويعكس هذا الموقف رؤية إيرانية تعتبر أن واشنطن تحاول الجمع بين التفاوض والضغط العسكري في آن واحد، وهو النهج الذي تنظر إليه طهران باعتباره محاولة لفرض شروط سياسية بالقوة وليس عبر التفاهم المتكافئ بين الأطراف.

كما تشير التصريحات الإيرانية إلى أن طهران لم تعد تفصل بين الدبلوماسية والقدرة العسكرية، بل تعتبرهما مسارين متكاملين لحماية مصالحها وسيادتها الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.

حق الدفاع المشروع

تتعامل القيادة الإيرانية مع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بوصفها اعتداءات مباشرة على السيادة الوطنية، وهو ما يمنح الرد العسكري الإيراني صفة الدفاع المشروع عن النفس وفق قواعد القانون الدولي.

وقد شدد بقائي على أن القوات المسلحة الإيرانية سترد في أي وقت ومكان تقتضي فيه الضرورة ذلك، مؤكداً أن ما جرى خلال الساعات الماضية يثبت أن إيران لن تتردد في استخدام قدراتها العسكرية عندما ترى أن أمنها القومي يتعرض للتهديد.

ويأتي هذا الموقف في ظل إعلان القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ سلسلة هجمات جديدة ضد أهداف إيرانية، بزعم الرد على إسقاط مروحية أمريكية قرب مضيق هرمز.

لكن من منظور إيراني، فإن المشكلة لا تكمن في حادثة المروحية بحد ذاتها، بل في استمرار الوجود العسكري الأمريكي في محيط إيران واستخدامه منصة لشن عمليات عسكرية متكررة ضد الأراضي الإيرانية، وهو ما تعتبره طهران تهديداً مباشراً لأمنها الوطني.

رسائل التهديد

التصعيد لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى حرب التصريحات التي تكشف حجم التوتر المتصاعد بين الطرفين.

ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده ستوجه "ضربة قوية أخرى" لإيران، جاءت الردود الإيرانية أكثر حدة، خصوصاً من داخل المؤسسة السياسية والأمنية.

رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي وجه رسالة مباشرة إلى واشنطن، محذراً من أن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة داخل حدود الشرق الأوسط هذه المرة.

ويعكس هذا التحذير إدراكاً إيرانياً بأن طبيعة الصراع تغيرت خلال السنوات الأخيرة، وأن أي مواجهة شاملة لن تكون مجرد حرب تقليدية بين دولتين، بل قد تمتد تداعياتها إلى مناطق ومصالح أمريكية أوسع حول العالم.

كما تكشف هذه التصريحات عن محاولة إيرانية واضحة لتعزيز معادلة الردع، وإقناع واشنطن بأن تكلفة الحرب المقبلة ستكون أعلى بكثير من الحسابات التي تروج لها الإدارة الأمريكية.

هرمز في قلب المعركة

لا يمكن فهم التصعيد الحالي بعيداً عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي تحول إلى أحد أبرز ميادين الصراع بين الطرفين.

فبعد تعثر المفاوضات وفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية منذ أبريل الماضي، وجدت طهران نفسها أمام معركة تتجاوز البعد العسكري إلى صراع اقتصادي واستراتيجي يتعلق بحرية الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.

ورداً على الضغوط الأمريكية، فرضت إيران ترتيبات جديدة لعبور السفن في المضيق، في خطوة هدفت إلى تأكيد قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتدرك طهران أن السيطرة على معادلات الأمن في هرمز تمنحها ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة واشنطن، خصوصاً أن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

فشل استراتيجية الإخضاع

تكشف التطورات الأخيرة عن أزمة أعمق تتجاوز تفاصيل الهدنة أو المفاوضات الجارية، وتتعلق بفشل الرهان الأمريكي والإسرائيلي على إخضاع إيران عبر الضغوط العسكرية والاقتصادية.

فعلى الرغم من الحرب والعقوبات والحصار، لم تُظهر طهران مؤشرات على التراجع عن ثوابتها الاستراتيجية، بل تبدو أكثر تمسكاً بمعادلة تجمع بين الصمود السياسي والردع العسكري والانفتاح المشروط على الحلول الدبلوماسية.

وفي المقابل، تواجه واشنطن معضلة متزايدة تتمثل في عجزها عن فرض تسوية بشروطها الكاملة، بينما يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى تقويض فرص التفاوض وإعادة إنتاج أسباب الصراع.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حساس؛ فإما أن تنجح الجهود السياسية في احتواء الأزمة وإعادة تثبيت الهدنة، أو أن يؤدي استمرار الاستفزازات والضربات المتبادلة إلى انفجار مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط وتعيد رسم خريطة التوازنات الدولية بأكملها.

وفي ظل هذا المشهد، تتمسك إيران بحقها في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي في مواجهة الهجمات المتواصلة، معتبرة أن أي عملية سياسية حقيقية لا يمكن أن تقوم على الإملاءات العسكرية، بل على احترام السيادة الوطنية ووقف الاعتداءات والالتزام الفعلي بقواعد القانون الدولي.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال