4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سحب القوات الإماراتية من اليمن: انسحاب محسوب أم إعادة تموضع إقليمي؟

أعاد إعلان وزارة الدفاع الإماراتية استكمال عودة جميع عناصر القوات المسلحة من اليمن فتح ملف الوجود العسكري الخارجي للإمارات، ليس فقط من زاوية الحدث العسكري

بقلم: شيماء مصطفى
٣ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
سحب القوات الإماراتية من اليمن: انسحاب محسوب أم إعادة تموضع إقليمي؟

سحب القوات الإماراتية من اليمن: انسحاب محسوب أم إعادة تموضع إقليمي؟

أعاد إعلان وزارة الدفاع الإماراتية استكمال عودة جميع عناصر القوات المسلحة من اليمن فتح ملف الوجود العسكري الخارجي للإمارات، ليس فقط من زاوية الحدث العسكري ذاته، بل من حيث دلالاته السياسية وتوقيته الإقليمي المعقّد، في لحظة تشهد إعادة رسم لموازين القوى ومحاولات حثيثة لدفع مسارات التسوية في اليمن والمنطقة ككل.

اليمن: إعلان رسمي يُغلق صفحة عسكرية مفتوحة

وزارة الدفاع الإماراتية أكدت أن عودة جميع عناصرها من اليمن جاءت تنفيذاً لقرار معلن بإنهاء ما تبقى من مهام فرق مكافحة الإرهاب، وبما يضمن سلامة العناصر وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين. البيان شدد على أن الوجود العسكري الإماراتي الأساسي انتهى فعلياً منذ عام 2019، وأن ما تبقى خلال السنوات الماضية اقتصر على فرق متخصصة في مكافحة الإرهاب ضمن أطر تنسيقية محددة.

وبحسب الرواية الإماراتية، فإن التطورات الأخيرة وما قد تحمله من مخاطر على سلامة القوات وفاعلية مهامها، فرضت إعادة تقييم شاملة للمرحلة، أفضت إلى قرار إنهاء هذا الوجود بشكل كامل وبإرادة إماراتية مستقلة، في إطار ما وصفته أبوظبي بالتزاماتها تجاه أمن واستقرار المنطقة.

توقيت القرار 

قراءة توقيت الإعلان تكشف أنه لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع تصاعد ضغوط يمنية وخليجية مباشرة على الإمارات. رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي كان قد دعا صراحة إلى خروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، متهماً أبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتحركاته العسكرية في حضرموت والمهرة.

الأهم أن السعودية، الشريك الرئيسي في التحالف، دخلت على خط الأزمة بشكل غير مسبوق، مطالبة الإمارات بالاستجابة لطلب الحكومة اليمنية، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل البلاد. بيان الخارجية السعودية حمل لهجة حادة، واعتبر التحركات المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي، وخروجاً عن الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية.

هذا السياق يجعل من الصعب فصل القرار الإماراتي عن محاولة احتواء أزمة سياسية آخذة في الاتساع داخل التحالف، ومنع تحول الخلافات إلى شرخ استراتيجي علني بين أبوظبي والرياض.

انعكاسات الانسحاب على موازين القوى في اليمن

على مستوى الداخل اليمني، يفتح الانسحاب الإماراتي الكامل الباب أمام تحولات مهمة في موازين القوى، خصوصاً في الجنوب. فالإمارات كانت لاعباً مؤثراً في دعم وتشكيل قوى محلية فاعلة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، ما منحها نفوذاً مباشراً في موانئ ومناطق استراتيجية.

خروج القوات الإماراتية لا يعني بالضرورة تراجع هذا النفوذ بشكل فوري، لكنه يفرض معادلة جديدة، قد تعيد ترتيب العلاقة بين القوى المحلية والتحالف، وتمنح الرياض هامشاً أوسع لإعادة ضبط المشهد الأمني في حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان عمقاً استراتيجياً حساساً بالنسبة للسعودية.

في المقابل، قد يضعف الانسحاب قدرة بعض الأطراف المحلية على فرض وقائع ميدانية جديدة، ويدفعها للبحث عن تسويات سياسية بدل الرهان على القوة العسكرية.

الانسحاب في سياق التسوية الإقليمية الأوسع

إقليمياً، يأتي القرار الإماراتي متناغماً مع مناخ عام يتجه نحو خفض التصعيد وإغلاق ملفات الصراعات المفتوحة. المنطقة تشهد منذ أشهر مساعي تهدئة متعددة، من التقارب السعودي الإيراني، إلى محاولات إحياء المسار السياسي في اليمن، وصولاً إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمنية لدول الخليج.

من هذا المنظور، يمكن قراءة الانسحاب الإماراتي كجزء من إعادة تموضع أوسع، يهدف إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، وتفضيل أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي، بما يتماشى مع رؤية أبوظبي لدورها الإقليمي في المرحلة المقبلة.

كما أن القرار يبعث برسالة إلى الشركاء الدوليين مفادها أن الإمارات تسعى إلى الظهور كفاعل داعم للاستقرار لا طرفاً في صراعات طويلة الأمد، وهو ما يعزز موقعها في أي ترتيبات إقليمية قادمة.

الخلافات الخليجية وحدود الاحتواء

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن هذا الانسحاب يعكس حجم التباينات الخليجية حول إدارة الملف اليمني. الاتهامات السعودية العلنية، وما تبعها من نفي إماراتي والتأكيد على احترام أمن المملكة وسيادتها، تكشف أن الخلافات لم تكن هامشية، بل مسّت جوهر الرؤية المشتركة للتحالف.

إعلان الانسحاب قد يشكل خطوة لاحتواء هذه الخلافات ومنع تفاقمها، لكنه لا يعني بالضرورة زوال أسبابها بالكامل، خاصة في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتشابك المصالح المحلية والإقليمية.

خطوة تكتيكية أم تحول استراتيجي دائم

في المحصلة، يمثل إعلان استكمال سحب القوات الإماراتية من اليمن محطة مفصلية في مسار الحرب اليمنية والتحالف الداعم للشرعية. هو قرار يحمل أبعاداً تتجاوز البعد العسكري، ليعكس حسابات سياسية دقيقة تتصل بتوازنات القوى، ومسارات التسوية الإقليمية، وإدارة الخلافات الخليجية.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الانسحاب مقدمة لتحول استراتيجي دائم في سياسة أبوظبي تجاه اليمن، أم خطوة تكتيكية لامتصاص الضغوط وتهيئة الأرضية لمرحلة جديدة من النفوذ غير المباشر، في بلد لم يغلق بعد صفحة الصراع الطويل.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال