4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حرب التراخيص.. كيف تستخدم إسرائيل "البيروقراطية" لسحق العمل الإغاثي في غزة؟

حرب التراخيص.. كيف تستخدم إسرائيل "البيروقراطية" لسحق العمل الإغاثي في غزة؟

بقلم: محمد خميس
٤ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
العمل الإغاثي في غزة

العمل الإغاثي في غزة

حرب التراخيص.. كيف تستخدم إسرائيل "البيروقراطية" لسحق العمل الإغاثي في غزة؟

في خطوة تصعيدية جديدة تعمق المأساة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، إجراءات فعلية لإلغاء تراخيص عمل 37 منظمة دولية فاعلة في تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة. 

هذا القرار الذي يأتي تحت غطاء "التدقيق الأمني"، يحمل في طياته أبعاداً سياسية تهدف إلى تضييق الخناق على الشهادات الدولية التي توثق الجرائم في القطاع.

أزمة المنظمات الدولية في غزة: تفاصيل القرار

تذرعت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية بأن هذه المنظمات رفضت الامتثال لإجراءات التسجيل الجديدة، والتي تتضمن تقديم قوائم تفصيلية بأسماء الموظفين والتعاون مع "آلية التسجيل الأمني".

وبحسب الرواية الرسمية للاحتلال، فإن هذه المنظمات لا تشكل ثقلاً كبيراً، حيث زعمت الهيئة أن مساهمتها لم تتجاوز 1% من إجمالي المساعدات طوال فترة الحرب، وهي محاولة واضحة للتقليل من شأن الأثر الكارثي الذي سيخلفه غياب هذه المنظمات عن الميدان.

حرب التراخيص.. كيف تستخدم إسرائيل "البيروقراطية" لسحق العمل الإغاثي في غزة؟

الجهات المسؤولة عن إلغاء التراخيص

يقود عملية الإلغاء طاقم مشترك بين وزارات عدة، تترأسه بشكل مثير للجدل "وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية"، ويشمل الإجراء إرسال رسائل رسمية لأكثر من 10 منظمات دولية كبرى كخطوة أولى وفرض تحقيقات أمنية مشددة على الكوادر العاملة واشتراط "الولاء" للسردية الإسرائيلية لاستمرار العمل.

أبعاد سياسية خلف القناع الأمني

بينما تحاول "المؤسسة الأمنية" الإسرائيلية صبغ القرار بصبغة مهنية، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية الوجه الحقيقي للقرار، مؤكدة أنه يعود لأسباب سياسية بحتة.

معايير الرفض الجديدة (قوانين التكميم)

تمتلك وزارة "الشتات" الآن صلاحيات واسعة لرفض أي منظمة بناءً على معايير فضفاضة، أهمها مناهضة الصهيونية و إنكار وجود إسرائيل كدولة "يهودية وديمقراطية" ونزع الشرعية و أي نشاط تعتبره إسرائيل محاولة لنزع الشرعية عنها دولياً والملاحقة القضائية وهذا هو البند الأخطر؛ حيث يتم إلغاء ترخيص أي منظمة تدعم محاكمة إسرائيليين أمام المحاكم الدولية (مثل محكمة الجنايات الدولية أو محكمة العدل الدولية) بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية.

التسلسل الزمني لتقويض العمل الإغاثي

لا يعد هذا القرار معزولاً، بل هو جزء من خطة ممنهجة بدأت منذ فترة طويلة حظر 53 منظمة حيث وصل إجمالي المنظمات غير الحكومية التي حظر الاحتلال نشاطها في الأراضي الفلسطينية إلى 53 منظمة حتى الآن وإنذار 30 ديسمبرحيث تلقت 37 منظمة إشعاراً بانتهاء تسجيلها رسمياً في نهاية عام 2025 ومهلة الـ 60 يوماً: بعد تفعيل القرار، تُمنح المنظمات شهرين فقط لوقف كافة عملياتها في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

التداعيات الإنسانية: غزة تواجه المجهول

جاء رد المنظمات الدولية موحداً وقوياً، حيث أكدت في بيان مشترك أن هذا التعليق القسري يأتي في وقت يحتاج فيه المدنيون في غزة لكل شريان حياة ممكن، خاصة مع استمرار تبعات الحرب الكارثية رغم سريان وقف إطلاق النار.

يعد توقيت هذا القرار حساساً للغاية؛ فإسرائيل تسعى لترتيب المشهد في غزة والضفة بعيداً عن الرقابة الدولية. ومن خلال طرد المنظمات التي تدعم المسار القانوني الدولي، تحاول سلطات الاحتلال بناء "جدار حصانة" يحمي قادتها من الملاحقات القضائية الدولية بتهمة الإبادة الجماعية.

إن إقحام "وزارة الشتات" في ملف المساعدات الإنسانية يحول العمل الإغاثي من نشاط إنساني محمي بموجب القانون الدولي إلى "أداة سياسية" تخضع لمعايير الرضا والقبول السياسي من جانب الاحتلال.

إن إلغاء تراخيص 37 منظمة دولية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان حرب على المنظومة الإغاثية والحقوقية الدولية. هذا القرار يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيسمح للاحتلال بتحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة للابتزاز السياسي، أم ستكون هناك تحركات قانونية ودبلوماسية لحماية هذه المنظمات؟.

إن قرار الاحتلال بتصفية عمل 37 منظمة دولية يمثل مرحلة جديدة من مراحل الحصار، تتجاوز منع الغذاء والدواء إلى حظر "الشهود" وتكميم الأفواه الحقوقية. هذا الاستهداف الممنهج، القائم على خلفيات سياسية وانتقامية، يضع المنظومة الدولية برمتها أمام تحدٍّ وجودي؛ فالسماح بتحويل العمل الإنساني إلى أداة للابتزاز الأمني يعني استباحة ما تبقى من كرامة قانونية في غزة والضفة.

كما أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بتجاوز لغة القلق نحو تحرك فعلي يضمن حماية الهيئات الإغاثية واستمرارية دورها الحيوي.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال