يشهد قطاع غزة تدهورًا إنسانيًا غير مسبوق، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي المشدد ومنع إدخال المساعدات بالكميات الكافية، رغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من اقتراب القطاع من حافة المجاعة والانهيار الصحي الكامل. فمنذ أكتوبر 2023، تحوّل الحصار إلى أداة حرب مباشرة تستهدف المدنيين، عبر التحكم في الغذاء والدواء والمياه والوقود، بما يتجاوز أي اعتبارات أمنية مزعومة.
مساعدات لاتكفي
وبحسب تقارير صادرة عن منظمات إغاثية دولية، فإن ما يدخل إلى غزة من مساعدات لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الفعلية، في وقت دُمّرت فيه سلاسل التوريد المحلية، وتوقفت غالبية المخابز والمرافق الصحية عن العمل أو تعمل بطاقة شبه معدومة. هذا الواقع دفع مئات الآلاف من العائلات إلى الاعتماد على وجبات واحدة أو أقل يوميًا، وسط ارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء وكبار السن.
شهادات من الميدان
من داخل مراكز الإيواء المكتظة، تقول أم محمد، نازحة من شمال غزة، إن “الطعام الذي يصل لا يكفي أيامًا، نقف ساعات طويلة في الطوابير، وأحيانًا نعود بلا شيء”. تضيف أن أطفالها يعانون من فقدان الوزن والإعياء الدائم، في ظل غياب الحليب والأدوية الأساسية، مؤكدة أن “الحصار أصبح أقسى من القصف”.
وفي شهادة أخرى، يوضح مسعف يعمل في جنوب القطاع أن المستشفيات باتت عاجزة عن التعامل مع الحالات الطارئة، ليس فقط بسبب الإصابات، بل نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. ويشير إلى أن بعض الجرحى يُتركون دون علاج كامل، وأن حالات يمكن إنقاذها تتحول إلى وفيات يمكن تفاديها، في مشهد يلخص عمق الكارثة الإنسانية.
المساعدات كسلاح
إن منع إدخال المساعدات لا يمكن فصله عن سياق الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على غزة، حيث تُستخدم الاحتياجات الإنسانية كورقة ضغط سياسية وعسكرية. فبحسب بيانات أممية، تُخضع شاحنات الإغاثة لإجراءات تفتيش معقدة وبطيئة، ويتم رفض عدد كبير منها دون مبررات واضحة، فيما تُغلق المعابر بشكل متكرر، ما يحول المساعدات إلى أداة ابتزاز جماعي.
هذا السلوك يعكس، وفق خبراء في القانون الدولي الإنساني، انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، التي تجرّم استخدام التجويع كوسيلة حرب. ومع ذلك، تستمر هذه السياسة في ظل غطاء أمريكي مباشر، حيث تكتفي واشنطن بالدعوة إلى “زيادة المساعدات” دون ممارسة أي ضغط فعلي لفتح المعابر أو فرض آليات ملزمة لإدخالها.
الضغط الدولي المحدود
رغم تصاعد التحذيرات الدولية، لا تزال الضغوط على إسرائيل محدودة وذات طابع خطابي. فبيانات القلق الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لم تُترجم إلى خطوات عملية، مثل فرض عقوبات أو تعليق التعاون العسكري. هذا العجز الدولي يفاقم معاناة المدنيين، ويمنح إسرائيل هامشًا واسعًا لمواصلة سياساتها دون محاسبة.
وفي هذا السياق، ترى منظمات حقوقية أن استمرار منع المساعدات يعكس ازدواجية المعايير الدولية، حيث تُغضّ الانتهاكات الجسيمة حين يتعلق الأمر بإسرائيل، بينما يُترك المدنيون الفلسطينيون لمواجهة مصيرهم وحدهم. وتؤكد هذه المنظمات أن ما يجري في غزة ليس أزمة إنسانية طارئة فحسب، بل نتيجة سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر المجتمع الفلسطيني بأكمله.
حياة على حافة الانهيار
مع استمرار الحصار ومنع المساعدات، تتحول الحياة اليومية في غزة إلى صراع للبقاء. فالمياه النظيفة أصبحت نادرة، والأمراض المعدية تنتشر في مراكز الإيواء، والتعليم متوقف فعليًا، ما ينذر بجيل كامل مهدد بالضياع. هذه المعاناة الممتدة تكشف أن الكارثة الإنسانية ليست نتيجة جانبية للحرب، بل جزء أساسي من أدواتها.
وبين شهادات الجوعى وصمت العالم، تتعمق المأساة في غزة، حيث يُستخدم الحصار كسلاح، وتُترك الكارثة الإنسانية بلا استجابة حقيقية. وفي ظل غياب أي أفق سياسي أو إنساني، يبقى المدنيون وحدهم في مواجهة حرب تستهدف حياتهم وكرامتهم، وسط مسؤولية دولية لا يمكن التنصل منها.










