21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

يموتون في العتمة: سجون الاحتلال ساحات قتل بطيء لـ الأسرى الفلسطينيين

شهدت السجون الإسرائيلية خلال عام 2025 تدهورًا خطيرًا وغير مسبوق في الأوضاع الإنسانية لـ الأسرى الفلسطينيين، في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادتهم نفسيًا وجسديًا

بقلم: سماح عثمان
٥ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
86 مشاهدة
الأسرى الفلسطينيين

الأسرى الفلسطينيين

شهدت السجون الإسرائيلية خلال عام 2025 تدهورًا خطيرًا وغير مسبوق في الأوضاع الإنسانية لـ الأسرى الفلسطينيين، في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادتهم نفسيًا وجسديًا، وفق ما أكده المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى. هذا التدهور لم يكن عارضًا أو ناتجًا عن ظروف طارئة، بل جاء نتيجة إجراءات متعمدة شملت تقليص كميات الطعام ورداءته، وتشديد القيود اليومية، ومنع الزيارات العائلية، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد وفرض عقوبات جماعية.

وبحسب المركز، تحولت السجون إلى بيئة قمعية مغلقة تُستخدم فيها أدوات الحياة اليومية كوسائل عقاب، في انتهاك صارخ للحد الأدنى من المعايير الإنسانية. هذه السياسات انعكست مباشرة على صحة الأسرى الجسدية والنفسية، خصوصًا المرضى وكبار السن، في ظل غياب أي رقابة دولية فعالة أو مساءلة قانونية.

 

شهداء الأسرى خلف القضبان

وثّق المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى استشهاد 31 أسيرًا فلسطينيًا داخل سجون الاحتلال خلال عام 2025، نتيجة التعذيب المباشر، والإهمال الطبي المتعمد، والظروف الاحتجازية القاسية. هذه الأرقام، بحسب المركز، تعكس استمرار ما وصفه بـ“سياسة القتل البطيء” التي تُمارَس داخل السجون، بعيدًا عن أعين الإعلام والرأي العام الدولي.

ويؤكد حقوقيون أن هذا العدد يمثّل مؤشرًا خطيرًا على تصعيد نوعي في أساليب القمع، حيث لم تعد الانتهاكات فردية أو استثنائية، بل أصبحت نمطًا ثابتًا ضمن منظومة السجن الإسرائيلية، التي تتعامل مع الأسرى كأهداف للعقاب الجماعي لا كأشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني.

التشريع كأداة قمع

لم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على الممارسات الميدانية داخل السجون، بل امتد إلى المجال التشريعي، حيث برزت خلال عام 2025 محاولات حثيثة داخل الكنيست الإسرائيلي لإقرار ما يُعرف بـ“قانون إعدام الأسرى”. ويرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن هذه المساعي تعكس توجّهًا رسميًا نحو تكريس منطق الانتقام داخل المنظومة القانونية، وتحويل العقوبات إلى أدوات ردع دموية تتناقض مع أبسط مبادئ العدالة.

هذا المسار التشريعي، بحسب مختصين في القانون الدولي، يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة الأسرى، ويؤسس لمرحلة جديدة من الانتهاكات الممنهجة، حيث تُستخدم القوانين لتبرير القتل بدل منعه، في سابقة خطيرة تعكس طبيعة النظام القائم على الاحتلال.

نفحة… نموذج للتوحش

في سياق متصل، كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين عن معلومات وصفتها بـ“الخطيرة” حول الأوضاع داخل سجن نفحة خلال الأسابيع الماضية، مؤكدة وجود تصعيد واضح في تفعيل السياسات الانتقامية التي تشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الأسرى. ووفق الهيئة، تعرض المعتقلون لأشكال “جنونية ولا أخلاقية” من الضرب والتعذيب خلال الاقتحامات الأخيرة.

وأشارت الهيئة إلى أن الأسير القائد مسلمة ثابت كان من أبرز المستهدفين، حيث جرى الاعتداء عليه بشكل مكثف، شمل ضربه على الصدر والأطراف، ورشه بغاز الفلفل إلى أن فقد وعيه. ولم تكتف إدارة السجن بذلك، بل فرضت عليه لاحقًا سلسلة عقوبات قاسية، تضمنت سحب الفرشة والبطانيات، وحرمانه من دواء السكري، إلى جانب تهديده العلني بإبقائه ضمن “دائرة الاستهداف”.

احتجاز خارج القانون

تؤكد المؤسسات الحقوقية الفلسطينية أن ما جرى خلال عام 2025 يمثل تصعيدًا شاملًا وخطيرًا في سياسة الاعتقال والاحتجاز خارج إطار القانون، وانتهاكًا منهجيًا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. فسياسة الاعتقال الإداري ما زالت تُستخدم على نطاق واسع، دون تهم واضحة أو محاكمات عادلة، فيما يواجه الأطفال والنساء أوضاعًا قاسية لا تراعي أي خصوصية إنسانية.

كما تواصل إسرائيل، بحسب تقارير حقوقية، إخفاء مصير عدد كبير من معتقلي قطاع غزة، واحتجازهم في سجون ومرافق سرية، على رأسها معتقل “سديه تيمان”، الذي تحيط به اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب.

دعوات بلا استجابة

دعت كل من هيئة شؤون الأسرى والمحررين والمركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى إلى تحرك فوري من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية، لزيارة السجون والمعتقلات، والاطلاع المباشر على الأوضاع الكارثية، ووقف حالة التفرد الإسرائيلي بالأسرى الفلسطينيين.

كما شددت الدعوات على ضرورة إنهاء سياسة الاعتقال الإداري فورًا، والإفراج عن الأطفال والنساء، والكشف عن مصير جميع معتقلي غزة، وإغلاق السجون السرية، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات. غير أن هذه النداءات، حتى الآن، تصطدم بصمت دولي مريب، يعكس ازدواجية المعايير، ويمنح إسرائيل غطاءً لمواصلة سياساتها القمعية دون رادع.

في ظل هذا المشهد، تتحول السجون الإسرائيلية إلى جبهة حرب صامتة، تُمارَس فيها أبشع الانتهاكات بعيدًا عن الكاميرات، فيما يظل الأسرى الفلسطينيون في مواجهة منظومة قمعية متكاملة، تستخدم الجسد والقانون معًا كسلاح، وسط مسؤولية دولية لا يمكن التنصل منها.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال